اسمه ونسبه:
هو الشيخ، العالم، العابد، الزاهد، أبو عبدالله، القاضي عمر بن إبراهيم بن عبدالملك بن حسين بن الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب بن الشيخ سليمان بن علي آل مشرف التميمي النجدي ، ينتمي الشيخ إلى دوحة علم وفضل، فهو سليل أشهر أسرة علمية في نجد والجزيرة العربية(آل الشيخ)وينتهي نسبه إلى آل مشرّف عشيرة من المعاضيد من فخذ آل زاخر الذين هم بطن من الوهبة من بني حظلة من قبيلة بني تميم العدنانية المشهورة.
مولده ونشأته:
ولد في مدينة الرياض عام(1300هـ) العاشر من شهر جمادى الآخرة، على رأس القرن الثالث بعد الألف من الهجرة النبوية المباركة ، كما جاء ذلك مقيدًا على مخطوطة نادرة في غاية النفاسة حيث جاء على المخطوطة: ولدَ المولود المبارك عمر بن ابراهيم عاشر جمادى الآخر سنة ثلاث مئة وألف من هجرة النبي ﷺ ،فنشأ في بيت علمٍ وعراقة ونبل؛ فأجداده وأعمامه وبنو عمه هم جهابذة العلم وقضاة الأنام في الديار النجدية، فارتضع لبان العلم منذ صغره، ودرج في معاهده ، فنبت في كنفِ أسرةٍ عريقة، لم تكن مجردَ دارٍ للسكن، بل كانت مدرسةً شامخةً للعلمِ والتقوى ،تناقلوا أمانةَ العلمِ كابرًا عن كابر، حتى تشكّلت منهم سلسلةٌ ذهبيةٌ عرفوا بأبناء الشيخ وآل الشيخ.
طلبه للعلم:
أخذ العلم في مبدأ أمره عن علماء زمانه ولما تفرس فيه والده علامات النباهة وأمارات الذكاء، أسلمه إلى مقريء مجود، فأتقن عليه قواعد التجويد، وحفظ القرآن الكريم ضبطاً وأداءً ، ثم شمر عن ساعد الجد والتفرغ في حفظ متون العلم المتداولة في عصره، فوعى صدرُه: “كتاب التوحيد”، و”كشف الشبهات”، و”آداب المشي إلى الصلاة”، و”الآجرومية” في النحو، و”الرحبية” في الفرائض. وقد أثنى
الشيخ العلامة محمد بن عبدالعزيز بن مانع بقوله:”كان فقهياً عاقلاً”.
أخذه العلم عن علماء عصره:
أقبل -رحمه الله- على القراءة على مشايخ عصره من آل الشيخ وغيرهم من علماء الرياض، وجدّ في التحصيل حتى أدرك شأواً بعيداً في التفسير، والحديث، والتوحيد، والفقه وأصوله .وكان عذب الصوت، جهورياً، حسن الأداء، فكان هو القارئ في مجالس شيوخه؛ ومن ذلك ما حكاه الشيخ حسن بن مانع-رحمه الله- وقد زامله في دروس المشايخ ، يقول: كنا في درس الشيخ محمد بن عبداللطيف، وكان القارئ بالدرس الشيخ عمر بن إبراهيم، وكان صوته جميلاً جهورياً، حتى إنه إذا قرأ بالدرس وقال له الشيخ محمد: (بركة)؛ تمنيتُ أن لا يقولها، وذلك من شدة استمتاعنا بترتيله وصوته”. ولقد كانت مَجالسُ العِلمِ في نَجدٍ قديماً مَحاريبَ هَيبةٍ ووقارٍ، لا يَعتلي مَنصّةَ القراءةِ فيها إلا مَن استقامَ لِسانُه على سَنَنِ الفَصاحةِ، وتَحصَّنَ بقواعدِ النَّحوِ ومِعيارِ الصَّرفِ؛ إذ كان عُلماءُ تلك الدِّيارِ يَعُدُّون “اللَّحنَ” خَدْشاً في حُرمةِ العِلمِ، ومَزَلَّةً تَنقُصُ من قَدْرِ الناقلِ والمَقولِ عنه.
من أجلِّ شيوخه الذين أخذ عنهم:
الشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ:وكان أخص شيوخه به ملازمةً، وقرأ عليه في التوحيد والحديث.
الشيخ ابراهيم بن عبداللطيف آل الشيخ: قرأ عليه في مختلف العلوم.
الشيخ إبراهيم بن عبدالملك (والده):وقرأ عليه في الفقه والتوحيد واللغة .
الشيخ محمد بن عبداللطيف آل الشيخ: لازمه وقرأ عليه ،ولازمه ملازمة تامة وكان من أخص شيوخه.
الشيخ حسن بن حسين آل الشيخ: وقرأ عليه في فنون شتى.
الشيخ حمد بن فارس: وقرأ عليه في علم العربية والنحو ، وغيرهم.
ولايته القضاء في إقليم المحمل( ثادق) بأمر الملك عبدالعزيز :
في سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وألف (1336 هـ)، أصدر الملك عبدالعزيز -رحمه الله- أمره بتعيين الشيخ عمر بن ابراهيم قاضياً لإقليم المحمل(ثادق)، وذلك بعد تزكية وتأهيل من علماء زمانه .ويقع الإقليم(المحمل)على السفح الغربي لـ “جبل طويق” (العارض)، وتحديداً في المنطقة الواقعة بين إقليمي “سدير” شمالاً و”الوشم” غرباً، وإلى الشمال من إقليم “الشعيب” (حريملاء) ، تُعد مدينة ثادق القاعدة الإدارية للإقليم. ويُشار تاريخياً إلى أن نشأتها تعود إلى القرن الحادي عشر الهجري (حوالي عام 1079هـ وفقاً لتاريخ ابن ربيعة)، رغم أن الكثير من الأهالي والروايات المحلية ترجح أنها أقدم من ذلك.وبعد أن استقر فيها الشيخ قاضيًا لإقليم المحمل ،ولم يكن القاضي في تلك الحقبة مناطًا للفصل في الخصومات فقط، بل له مهام متعددة كالإفتاء والتدريس والإمامة للجامع الكبير فيها، فمكث الشيخ فيها ردحًا من الزمن وحكمَ وأفتى وله في ذلك أحكام قضائية، إلا أن الشيخ كان يلوذ بالورع، مشفقاً من أمانة القضاء منذ تعيينه، يكرهه كراهة شديدة، فرغب إلى مقام الملك عبدالعزيز عدة مرات وعزم عليه في الإعفاء، فلما رأى الملك صدق رغبته ، أمر بإعفائه، فاستبشر الشيخ بذلك وقرت عينه، وعاد إلى موطنه الرياض متفرغًا للعبادة ومجالس العلم ونائبًا لسماحة الشيخ محمد بن ابراهيم ثم إمامًا ومستشارًا لجلالة الملك خالد-رحمهم الله
نائبًا لسماحة مفتي الديار النجدية في الإمامة :
كان سماحة مفتي الديار النجدية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ يستخلفه لإمامة المصلين في مسجده بالرياض إذا رحل إلى الحجاز في موسم الحج، فكان ينوب عنه، ولم يكن سماحة المفتي ينيب عنه في الصلاة والفتوى إلا الخُلّص من أرباب الأهلية والديانة ، إذ كان -رحمه الله-دقيقًا في هذه المسألة ومن شواهدِ دِقتهِ التي لا تزالُ تتناقلُها ذاكرةُ أهلِ الرياض، مَوقفُه الجليلُ عند وفاةِ شيخِه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف -رحمه الله-؛ فقد كان الشيخ محمدٌ نائباً عنه في الصلاة، فلما رُفعت روحُ الشيخ إلى بارئِها، توقف الشيخ محمدٌ عن النيابة، مُعلناً توقفَها؛ وذلك لرسوخِ القاعدةِ الفقهيةِ في عقلِه وقلبِه بأنَّ “التوكيلَ يَنقطعُ بموتِ الموكِّل”، فلم يَسمحْ لنفسِه بالاستمرارِ في مقامٍ انتفتْ مصلحتُه الشرعيةُ بوفاةِ صاحبِ الشأن، فكان الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله- إذا شدَّ رحالَه قاصداً مكة المكرمة والحجاز -وهي الديار التي كان يتردد عليها باستمرار أداءاً للحج والعمرة وتفقداً لأحوالِ الأمة- لم يطمئنَّ على محرابِ مسجدِه ومكانةِ منبرِه إلا بتقديمِ الشيخ عمر بن إبراهيم نائباً عنه؛ ثقةً بِه، وعِلماً بِرُسوخِ قَدَمِه في العِلمِ والدِّين.
حديثهُ عن سماحة الشيخ محمد بن ابراهيم:
من المُلح واللطائف التي تروى ما كان الشيخ عمر بن إبراهيم آل الشيخ يردده دائمًا عن الشيخ محمد بن إبراهيم ، حيث يضعُ الشيخَ محمد بن إبراهيم في منزلةٍ رفيعةٍ من التوقير؛ فإذا سُئل عن رأي الشيخ محمد في أمرٍ من الأمور أو استقصى جماعة المسجد منه عن مآلات مواقف سماحة الشيخ محمد ، أجاب بكلمته التي سارت بين الناس، قائلًا: “لا يعلم ما في خاطر الشيخ محمد إلا فاطر السماوات والأرض”؛ إذ كان يرى الشيخ عمر في هذا الكتمانِ خصلةً أصيلةً من خصال الحكماء، وحيطةً محمودةً تُعزز من هيبةِ الرأي وسدادِ التدبير، فالرجلُ الذي يطوي سرائره ولا يبوح بما عزم عليه إلا في أوانه، هو مَن يجمع بين قوة الشخصية وحكمة التصرف والصمت الحكيم ، لا سيما حين أن الشيخ محمد بن إبراهيم تولى شؤوناً عديدة وجمع ولاياتٍ ومناصب حساسة ، فكان يرى في ذلك ثقلاً يستلزمُ حكمةً بالغة في الصمت والكتمان ، وقد جمعت الأقدار بين الشيخين محمد بن ابراهيم وعمر بن إبراهيم برباطٍ وثيقٍ قوامه العلم، وسماؤه الفضل؛ فكلاهما من دوحةٍ عريقةٍ عرفت بالعلم والتقوى ،وقد نشأت بينهما علاقةٌ متينةٌ توطدت في مجالس العلم بالرياض، حيث كانا ينهلان من معين المعرفة، حتى بلغت ثقة الشيخ محمد بن إبراهيم بالشيخ عمر أن أنابه عنه في مسجده؛ذلك المسجد الذي لم يكن مجرد مكانٍ للعبادة، بل كان منارةً شامخة تشبه في عطائها الجامعات؛ إذ كان المصلون وطلاب العلم يقصدون الإمام ونائبه، ينهلون فتاواهم، ويستنيرون بآرائهم وأحاديثهم وتوجيهاتهم، فكانت تلك المجالس محضناً يجمع بين دقة الفتوى وجلال التوجيه والإرشاد-رحمهم الله جميعًا.
جمال صوته في قراءة القرآن:
كان -رحمه الله- يمتلك حنجرةً طوّعها للخشوع، فكان صوته في قراءته للقرآن كأنه نبعٌ صافٍ،ينساب بوقارٍ يتناسب مع جلال الآيات، ويحمل في ثناياه إرثاً نجدياً خالصاً، وقد كان الأمير عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالرحمن آل سعود-رحمه الله- يصلي خلف الشيخ عمر باستمرار حيثُ يقول عن تلك الأيام وكان ذلك في الستينيات الهجرية ، قال :” كان الشيخ عمر بن ابراهيم ينوب عن الشيخ محمد بن إبراهيم في مسجده إذا سافر الشيخ محمد للحج، وقد صليت خلفه عدة مرات وكان جميل الصوت في قراءة القرآن الكريم”. وكذلك يقول الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن عبداللطيف آل الشيخ-رحمه الله- حيث يقول:”صليت خلفه عدة مرات، وكان صوته جميلاً وتلاوته محبرة في غاية الجمال والترتيل”. وكان يقع مسجد الشيخ محمد بن إبراهيم تحديداً في حي الديرة جنوب سوق الزل، داخل منطقة قصرالحكم حيث تلتقي أصالة العمارة النجدية بروح العلم و الدعوة ، ولم يكن المسجد مجرد موضعٍ للعبادة، بل تحوّل إلى مركز علمي وتربوي لتعليم العلوم الشرعية حتى اكتسب الحي المجاور له لقب “حي العلماء”.
إمامًا ومستشارًا للملك خالد:
أقام الشيخ يؤم الناس في مسجده بالرياض إماماً لجلالة الملك خالد بن عبدالعزيز ، وكان جلالة الملك يجلّه عظيم الإجلال، ويستشيره، ويستفتيه في نوازل أمره، ويؤمّه الشيخ لاسيما في التراويح والقيام؛ وكان الملك يتأثر تأثراً بالغاً بحسن ترتيله وعذوبة تلاوته، لم يكن وقوف الملك خالد -رحمه الله- خلف الشيخ عمر بن إبراهيم في الصلاة مجرد أداءٍ لشعيرة، بل كان مشهداً من مشاهد الخشوع المطلق،كان الملك خالد، بقلبه النقي وسجيته الطاهرة، يجد في صوت الشيخ عمر -بما يحمله من شجنٍ نجديٍّ صادق، ووقارٍ يلامس شغاف القلوب- مرآةً تنعكس عليها هيبة القرآن. فكان -رحمه الله- يغالب دموعه وتأثره، حتى تفيض عينا الملك بدمعٍ لا يملك حبسه، إجلالاً لكلام الله، وتأثراً بما يلقيه ذلك الصوت الذي كان يلامس في روحه مواطن الإيمان.
تلقيب أهل الرياض له بـ (العامود):
وكان الشيخ كلفاً بالصلاة والتهجد، مستغرقاً ليله في النوافل، حتى لُقّب بين أهله وأهل الرياض بـ “العامود” لكثرة وقوفه وطول قيامه في محرابه؛ وفي ذلك يقول الشيخ إبراهيم بن عثمان-رحمه الله-: “صليت مع الشيخ عمر بن إبراهيم عدة مرات، ومن جمال صوته كنا نقول: إن هذا الصوت ليس صوت بشر” ، فلم تكن علاقة الشيخ عمر بن إبراهيم -رحمه الله- بالمسجد علاقة “مُصلٍّ” يؤدي فرضاً ثم يمضي، بل كانت علاقة روحٍ لا تستقيم حياتها إلا في كنفِ الخلوة والمناجاة ،حتى غدا بمرور الأيام ركناً من أركانه لا يُعرف إلا به، ولا يُتصور المسجد بدونه ، هو ما جعل أهل الرياض يطلقون عليه لقب “العامود”؛ ذلك اللقب الذي لم يكن مجرد كلمة، بل كان وصفاً صادقاً لرجلٍ استقام في محرابه استقامة السهم، حتى صار في أعين الناس مضرباً للمثل في علو الهمة وصدق التعبد-رحمه الله-.
مكتبته-رحمه الله-:
امتلك مكتبةً نفيسة حوت أمهات العلوم، ومؤلفات أئمة الدعوة، ورسائل ابن تيمية والشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب،في الفقه والتوحيد واللنحو والتفسير والحديث جمعها خلال رحلته العلمية أثناء قراءته على علماء وفقهاء زمانه في الرياضوعليها تعليقات وحواشي نفيسه قيدها أثناء طلبه للعلم ، وقد آلت لأبنائه بعد وفاته.”
عقبه وذريته:
أعقب الشيخ ثلاثة من الأبناء، وهم:
1. الشيخ عبدالله: تخرج في كلية الشريعة (سنة 1381 هـ)، ورُشح للقضاء فاستعفى منه ، وتقلد مناصب بوزارة المعارف حتى أصبح مديرًا لمعهد الدراسات التكميلية وتوفي شابًا عام1394هـ بالرياض، وله مشاركات في الأدب والثقافة-رحمه الله-.وله ذرية مباركة تولوا مناصب ومسؤوليات رفيعة في الدولة.
2. الشيخ عبداللطيف: تخرج في كلية الشريعة (سنة 1381 هـ)، وتولى مناصب بوزارة العدل حتى عين مستشاراً بمكتب معالي وزير العدل،وله مشاركات في الأدب والشعر والتاريخ-رحمه الله-وله ذرية مباركة تولوا مناصب ومسؤوليات رفيعة بالقطاع الخاص.
3. صالح: توفي شاباً ولم يعقب.
وفاته:
اخترمته المنية -رحمه الله تعالى- في شهر جمادى الثانية لسنة سبع وستين وثلاثمائة وألف (1367 هـ) وصلي عليه في جامع الإمام تركي بن عبدالله ودفن في مقبرة العود بالرياض، وقد نعاه الشيخ العلامة محمد بن عبدالعزيز بن مانع بقوله: “مات العالم الشيخ عمر بن إبراهيم بن عبدالملك بن حسين(ابن المجدد)من أعيان وعلماء آل الشيخ”. فرحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن العلم وأهله خير الجزاء، وألحقه بالصالحين.

رحم الله الشيخ عمر وغفر له
رحم الله جدي عمر رحمه واسعه و اسكنه فسيح جناته..
رحمهم الله جميعاً و جمعنا و اياهم في جناة النعيم