الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
الأحاديث (1526)( 1527)( 1528)( 1529)( 1530)( 1531)
1526 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ (1) حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (2) عَنْ ثَابِتٍ (3) وَعَلِىِّ بْنِ زَيْدٍ (4) وَسَعِيدٍ الْجُرَيْرِىِّ (5) عَنْ أَبِى عُثْمَانَ النَّهْدِىِّ (6) أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِىَّ قَالَ كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى سَفَرٍ فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ كَبَّرَ النَّاسُ وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا إِنَّ الَّذِى تَدْعُونَهُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَعْنَاقِ رِكَابِكُمْ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «يَا أَبَا مُوسَى أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ». فَقُلْتُ وَمَا هُوَ قَالَ «لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري رقم (4205)؛ ومسلم رقم (2704).
[تراجم الإسناد]
(1) أبو سلمة موسى بن إسماعيل، التبوذكي. قال أبو حاتم الرازي: ثقة، وقال يحيى بن معين: ثقة مأمون.
(2) حماد بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصري.
(3) ثابت البناني.
(4) علي بن زيد بن جدعان، قال أبو زرعة وأبو حاتم: ليس بقوي، وقال البخاري وغيره: لا يحتج به، وقال ابن خزيمة: لا أحتج به لسوء حفظه، وقال الترمذي: صدوق، وكان ابن عيينة يلينه، وقال أحمد بن حنبل: ضعيف، وقال يحيى: ليس بشيء.
(5) سعيد بن إياس الجريري، البصري. قال أحمد بن حنبل: هو محدث البصرة، وقال ابن معين وجماعة: ثقة، وقال أبو حاتم: تغير حفظه قبل موته.
(6) أبو عثمان النهدي، عبد الرحمن بن مل -وقيل: ابن ملي- ابن عمرو بن عدي البصري. مخضرم معمر، أدرك الجاهلية والإسلام. وغزا في خلافة عمر وبعدها غزوات. وثقه علي بن المديني، وأبو زرعة، وجماعة.
[شرح الحديث]:
قوله صلى الله عليه وسلم "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا إِنَّ الَّذِى تَدْعُونَهُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَعْنَاقِ رِكَابِكُمْ" والمعنى لا ترفعوا أصواتكم بالذكر ولا بالتكبير لأن الله تعالى يسمع ويرى، قال تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، يعني أن الله سبحانه وتعالى مع عباده بعلمه واطلاعه وإحاطته بجميع أحوالهم، وليست المعية بالذات، لأن الله استوى على عرشه فوق سماواته بائن من خلقه.
ثم قال " يَا أَبَا مُوسَى أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ". فَقُلْتُ وَمَا هُوَ قَالَ "لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ" يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فلفظ الحول يتناول كل تحول من حال إلى حال، والقوة هي القدرة على ذلك التحول؛ فدلَّت هذه الكلمة العظيمة على أنه ليس للعالم العلوي والسفلي حركة وتحول من حال إلى حال ولا قدرة على ذلك إلا بالله.
ومن الناس من يفسر ذلك بمعنًى خاصٍّ فيقول: لا حول من معصيته إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته، والصواب الذي عليه الجمهور هو التفسير الأول، وهو الذي يدل عليه اللفظ؛ فإن الحول لا يختص بالحول عن المعصية، وكذلك القوة لا تختص بالقوة على الطاعة، بل لفظ الحول يعمُّ كل تحول"؛ [مجموع الفتاوى (5/ 574، 575)].
وقال العلامة النووي رحمه الله:
"ومعنى الكنز هنا: أنه ثواب مُدَّخر في الجنة، وهو ثواب نَفِيسٌ كما أن الكنز أنفسُ أموالكم"؛ [شرح مسلم (17/ 26)].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"والكنز: مال مجتمع لا يحتاج إلى جمع؛ وذلك أنها تتضمن التوكل والافتقار إلى الله تعالى"؛ [مجموع الفتاوى (13/ 321)].
*****************
1527 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (1) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ (2) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِىُّ (3) عَنْ أَبِى عُثْمَانَ (4) عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- وَهُمْ يَتَصَعَّدُونَ فِى ثَنِيَّةٍ فَجَعَلَ رَجُلٌ كُلَّمَا عَلاَ الثَّنِيَّةَ نَادَى لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. فَقَالَ نَبِىُّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّكُمْ لاَ تُنَادُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا». ثُمَّ قَالَ «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ». فَذَكَرَ مَعْنَاهُ.
- ---------------------------------•
إسناده صحيح:
أخرجه البخاري (6409) ومسلم (45/ 2704).
[تراجم الإسناد]
(1) مسدد بن مسرهد البصري، ثقة جليل القدر.
(2) يَزِيْدُ بنُ زُرَيْعٍ أَبُو مُعَاوِيَةَ العَيْشِيُّ البَصْرِيُّ، قَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: كَانَ رَيْحَانَةَ البَصْرَةِ، مَا أَتقَنَهُ وَمَا أَحْفَظَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: ثِقَةٌ، إِمَامٌ.
(3) سليمان بن طرخان، أبو المعتمر التيمي البصري، قال شعبة: ما رأيت أحدا أصدق من سليمان التيمي -رحمه الله- كان إذا حدث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- تغير لونه.
(4) أبو عثمان النهدي.
[معانى بعض الكلمات]:
يتصعد: يتكلف الصعود.
*******************
1528 - حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى (1) أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِىُّ (2) عَنْ عَاصِمٍ (3) عَنْ أَبِى عُثْمَانَ عَنْ أَبِى مُوسَى بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ فِيهِ فَقَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ».
- ---------------------------------•
صحيح:
حديث عاصم الأحول عن أبي عثمان عن أبي موسى أخرجه البخاري (2992) ومسلم (2704) ولفظ البخاري «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ».
وأخرجه أحمد (19520) (19745) والطيالسي (495) وابن أبي شيبة (8463) (29665) والبزار (2990).
[تراجم الإسناد]
(1) محبوب بن موسى، أَبُو صالح الأنطاكي الفراء. قال أَحْمَد بن عَبد اللَّهِ العِجْلِيّ: ثقة صاحب سنة. وَقَال أَبُو عُبَيد الآجري عَن أبي داود: ثقة. وذكره ابنُ حِبَّان في كتاب "الثقات"، وَقَال: متقن فاضل.
(2) أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِىُّ، واسمه إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن، ولجدهم خارجة صحبة. وهو أخو عيينة بن حصن. قال أبو حاتم: اتفق العلماء على أن أبا إسحاق الفزاري إمام يقتدى به بلا مدافعة. وقال أبو حاتم: ثقة، مأمون، عظيم الغناء في الإسلام.
(3) عاصم الأحول.
[معانى بعض الكلمات]:
اربع: ارفق بنفسك واخفض صوتك.
[شرح الحديث]
قوله "يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ" أي ارفقوا بأنفسكم ولا تجهدوها برفع الصوت في الدعاء والذكر، فإن الله يقول: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً} [الأعراف: 205]
وعليه فلا يندب رفع الصوت بالذكر إلا في مواضع مثل التلبية في الحج والعمرة، وذلك لأنها شعار الحج، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ أَصْحَابَكَ فَليَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ فَإِنَّهَا مِنْ شِعَارِ الْحَجِّ".
*************
1529 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ (1) حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ زَيْدُ بنُ الْحُبَابِ (2) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ الإِسْكَنْدَرَانِىُّ (3) حَدَّثَنِى أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلاَنِىُّ (4) أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَلِىٍّ الْجَنْبِىَّ (5) أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «مَنْ قَالَ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه مسلم (1884) والنسائي في الكبرى (9748) وفي المجتبى (3131) وعبد بن حميد في المنتخب (999) وسعيد بن منصور في سننه (2301) وابن أبي شيبة في المصنف (29282) وأبو عوانة في المستخرج (7358) وابن حبان (863).
[تراجم الإسناد]
(1) محمد بن رافع بن أبي زيد سابور. قال مسلم والنسائي: ابن رافع ثقة مأمون.
(2) زيد بن الحباب، أبو الحسين العكلي الخراساني، ثم الكوفي. وثقه علي بن المديني.
(3) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ شُرَيْحٍ أَبُو شُرَيْحٍ المَعَافِرِيُّ، أَبُو شُرَيْحٍ المَعَافِرِيُّ، الإِسْكَنْدَرَانِيُّ، العَابِدُ. وَثَّقَهُ: يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لاَ بَأْسَ بِهِ.
(4) أبو هانئ: هو حمد بن هلال الخُولاني، وثقه النسائي وابن يونس.
(5) عمرو بن مالك الهمداني، أبو علي الجنبي المصري وثقه ابن معين.
[شرح الحديث]
يقول ابن القيم رحمه الله - في التعليق على هذا الحديث، وحديث (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا) -:
" هذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين، وإليهما تنتهي، وقد تضمنا الرضا بربوبيته سبحانه وألوهيته، والرضا برسوله والانقياد له، والرضا بدينه والتسليم له، ومن اجتمعت له هذه الأربعة فهو الصديق حقا. وهي سهلة بالدعوى واللسان، وهي من أصعب الأمور عند الحقيقة والامتحان، ولا سيما إذا جاء ما يخالف هوى النفس ومرادها.
فالرضا بإلهيته يتضمن الرضا بمحبته وحده، وخوفه، ورجائه، والإنابة إليه، والتبتل إليه، وانجذاب قوى الإرادة والحب كلها إليه، وذلك يتضمن عبادته والإخلاص له.
والرضا بربوبيته يتضمن الرضا بتدبيره لعبده، ويتضمن إفراده بالتوكل عليه، والاستعانة به، والثقة به، والاعتماد عليه، وأن يكون راضيا بكل ما يفعل به.
فالأول يتضمن رضاه بما يؤمر به. والثاني يتضمن رضاه بما يُقدَّر عليه.
وأما الرضا بنبيه رسولا فيتضمن كمال الانقياد له، والتسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من نفسه، فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته، ولا يحاكم إلا إليه، ولا يحكم عليه غيره، ولا يرضى بحكم غيره ألبتة، لا في شيء من أسماء الرب وصفاته وأفعاله، ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته، ولا في شيء من أحكام ظاهره وباطنه، لا يرضى في ذلك بحكم غيره، ولا يرضى إلا بحكمه، فإن عجز عنه كان تحكيمه غيره من باب غذاء المضطر إذا لم يجد ما يقيته إلا من الميتة والدم، وأحسن أحواله أن يكون من باب التراب الذي إنما يتيمم به عند العجز عن استعمال الماء الطهور.
وأما الرضا بدينه فإذا قال، أو حكم، أو أمر، أو نهى: رضي كل الرضا، ولم يبق في قلبه حرج من حكمه، وسلم له تسليما ولو كان مخالفا لمراد نفسه أو هواها، أو قول مقلده وشيخه وطائفته، وهاهنا يوحشك الناس كلهم إلا الغرباء في العالم، فإياك أن تستوحش من الاغتراب والتفرد، فإنه والله عين العزة، والصحبة مع الله ورسوله، وروح الأنس به، والرضا به ربا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، وبالإسلام دينا ... فمن رسخ قدمه في التوكل والتسليم والتفويض حصل له الرضا ولا بد، ولكن لعزته وعدم إجابة أكثر النفوس له وصعوبته عليها لم يوجبه الله على خلقه رحمة بهم، وتخفيفا عنهم، لكن ندبهم إليه، وأثنى على أهله، وأخبر أن ثوابه رضاه عنهم، الذي هو أعظم وأكبر وأجل من الجنان وما فيها.
فمن رضي عن ربه رضي الله عنه، بل رضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه، فهو محفوف بنوعين من رضاه عن عبده: رضا قبله أوجب له أن يرضى عنه، ورضا بعده هو ثمرة رضاه عنه، ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العارفين، وحياة المحبين، ونعيم العابدين، وقرة عيون المشتاقين " انتهى باختصار من " مدارج السالكين " (2/ 171).
*********************
1530 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِىُّ (1) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ (2) عَنِ الْعَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (3) عَنْ أَبِيهِ (4) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «مَنْ صَلَّى عَلَىَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري في الأدب المفرد (645) ومسلم (408) والنسائي (1296) وأحمد (8854) (8882) وابن حبان (906) وأبو نعيم في المستخرج (905) والبيهقي في الدعوات الكبير (175).
[تراجم الإسناد]
(1) سليمان بن داود العتكى، أبو الربيع الزهرانى البصرى، وَثَّقَهُ: يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُم.
قال الذهبي: أَجْمَعُوا عَلَى الاحْتِجَاجِ بِهِ.
(2) إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، أبو إسحاق، المدني. قال يحيى بن معين: ثقة مأمون، قليل الخطأ.
(3) العَلاَءُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ يَعْقُوْبَ المَدَنِيُّ الحُرَقي قَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: ثِقَةٌ، لَمْ أَسْمَعْ أَحَداً يَذْكُرُه بِسُوءٍ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: مَا أُنْكِرُ مِنْ حَدِيْثِهِ شَيْئاً. وَقَالَ ابْنُ مَعِيْنٍ: لَيْسَ حَدِيْثُهُ بِحُجَّةٍ. وَقَالَ مَرَّةً: لَيْسَ بِالقَوِيِّ.
قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: مَا أَرَى بِحَدِيْثِهِ بَأْساً. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ أَيْضاً: صَالِحُ الحَدِيْثِ.
(4) عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي، مولاهم، المدني، والد العلاء. قال أحمد بن صالح: مدني تابعي ثقة. وذكره ابن خلفون في كتاب " الثقات ". وقال العجلي: مدنيٌّ، تابعيٌّ، ثِقَةٌ. "الثقات".
[شرح الحديث]
قوله عليه الصلاة والسلام «مَنْ صَلَّى عَلَىَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا» حث منه على الصلاة والسلام عليه، والله تعالى شأنه يقول: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]، وفي هذا الحديثِ يَقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «مَن صَلَّى علَيَّ واحدةً»، والصَّلاةُ هنا إمَّا أن تكونَ بمعنى الدُّعاءِ على أصلِ مَعناها اللُّغويِّ، أي: مَن دَعا لي مَرَّةً واحدةً؛ بأن قال: اللهُمَّ صَلِّ على مُحمَّدٍ، أو ما في مَعناها، أو تكونَ الصَّلاةُ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمعنى طَلَبِ التَّعظيمِ له والتَّبجيلِ لجَنابِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من اللهِ، ثم بيَّن أنَّ الجَزاءَ من جِنسِ العَمَلِ؛ فمَن طَلَب منَ اللهِ تَعالَى الثَّناءَ على رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جَزاه اللهُ من جِنسِ عَمَلِه بأن يُثنيَ عليه ويَزيدَ تَشريفَه وتَكريمَه، فيُضاعف اللهُ الجزاءَ للمُصلِّي على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَشرَ مرَّاتٍ، والصَّلاةُ منَ اللهِ على عبادِه هي ثَناؤُه عَليهِم في الملأِ الأعلى، وقيل: هي رَحمتُه إيَّاهم، وأنَّه يَرحَمُهم رحمةً بعدَ رحمةٍ حتى تَبلُغَ رحمتُه ذلك العَددَ. وقيل: المرادُ بصَلاتِه عليهم: إقبالُه عليهم بعَطفِه وإخراجُهم من ظُلمةٍ إلى رِفعةٍ ونُورٍ، كما قال سُبحانَه: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ منَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الأحزاب: 43]، ويكونُ هذا من بابِ قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ في الحديثِ القُدسيِّ الذي أخرَجَه البخاريُّ، أنَّ اللهَ تَعالَى قال: «أنا عِندَ ظنِّ عَبْدي بي، وأنا مَعَه إذا ذَكَرني؛ فإنْ ذكَرَني في نَفْسِه، ذكَرْتُه في نفسي، وإنْ ذكَرني في ملأٍ، ذكَرْتُه في ملأٍ خَيرٍ منه»؛ فتكونُ بذلك صَلاةُ المسلمِ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أفضلَ من دُعائه لنَفسِهِ؛ لأنَّ اللهَ سُبحانَه هو الذي سيُصلِّي على عَبدِه ويَرحَمُهُ، وقد وَرَدَ في رِوايةٍ عندَ النَّسائيِّ عن أنَسِ بن مالِكٍ رَضيَ اللهُ عَنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «مَن صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً واحِدةً صَلَّى اللهُ عَليهِ عَشْرَ صَلَواتٍ، وحُطَّت عنه عَشْرُ خَطيئاتٍ، ورُفِعَت له عَشْرُ دَرَجاتٍ».
وفي الحديثِ: الحثُّ على الإكثارِ من الصَّلاةِ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
ومحبة المسلم للنبي عليه الصلاة والسلام تجعله يرطب لسانه بالصلاة والسلام عليه كل وقت وحين، ورحم الله من قال:
ياليتني كنت فردًا من صحابتهِ .... أو خادمًا عنده من أصغر الخــدمِ
تجود بالدمع عيني حين أذكره .... أما الفؤاد فللحوض العظيم ظمِي
ورحم الله من قال:
إِنَّ الصَّلاةَ على النّبيِّ وَسيلَةٌ ** فيها النَّجاةُ لِكُلِّ عَبدٍ مُسْــلِمِ
صَلُّوا على القَمَرِ المُنيرِ فإنّهُ ** نورٌ تَبَدَّى في الغَمامِ المُظْلِمِ
وقال عبد الرحمن العشماوي
هذي صلاتي والصيامُ ومَنْسَكي ... فيها بمنـــــــهاج النبوّة أقتدي
والموت والمَحْيا لــربي كُلُّــــها ....وإليه في زمن الغرائب مَقصدي
حبي لــخير النـــاس روضٌ نـاضرٌ ...أسقيه من يَنبوع أصــفى مَـــوردِ
هو في حياتي لمسةٌ لـم تنقطعْ .... أبدًا، وبـــــــابُ محبّةٍ لم يُوصَد
************************
1531 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ (1) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِىٍّ الْجُعْفِىُّ (2) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ (3) عَنْ أَبِى الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِىِّ (4) عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ (5) قَالَ قَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَكْثِرُوا عَلَىَّ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَىَّ». قَالَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاَتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ قَالَ يَقُولُونَ بَلِيتَ. قَالَ «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه النسائي (1374) وابن ماجه (1085) (1636) وأحمد (16162) والدارمي (1613) وابن خزيمة (1733) وابن أبي شيبة (8697) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1577) والبزار في المسند (3485) وابن حبان (910) والحاكم في المستدرك (1029) وقال: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، ووافقه الذهبي.
[تراجم الإسناد]
(1) أبو محمد، الحسن بن علي الحلواني الخلال المجاور بمكة. قال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتا متقنا. وقال أبو داود: كان عالما بالرجال، ولا يستعمل علمه.
(2) الحسين بن علي الجعفي، كان من أهل الفضل و التقوى والعبادة، وحديثه في كتب الإسلام الستة، وفي " مسند " أحمد. وثقه ابن معين، قال العجلي: ثقة، كان يُقرئ القرآن، وكان رأسًا فيه، وكان رجلًا صالحًا لم أر رجلًا قط أفضل مه.
وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. وذكره ابن حبان في جملة "الثقات".
(3) عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، الإمام، الحافظ، فقيه الشام مع الأوزاعي، أبو عتبة الأزدي، الدمشقي، الداراني. وثقه يحيى بن معين وأبو حاتم، وقال أحمد بن حنبل: ابن جابر ليس به بأس.
(4) أبو الأشعث الصنعاني، من كبار علماء دمشق، وفي اسمه أقوال، أقواها: شراحيل بن آدة. وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عبد البر: تابعي ثقة.
(5) أوس بن أوس الثقفي صاحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نزل دمشق وقبره بها.
[معانى بعض الكلمات]:
أَرَمَ: بلى.
أرمت: بليت.
[شرح الحديث]
قوله "إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ " بيان بأفضلية يوم الجمعة على سائر الأيام.
ثم قال "فَأَكْثِرُوا عَلَىَّ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَىَّ" إشارة إلى ندب واستحباب كثرة الصلاة والسلام على رسول الله في يوم الجمعة وفيه تعرض عليه الصلاة والسلام.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، وقد صحت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يبلغه سلام من يسلم عليه من أمته، وأنه يرد ذلك.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَا مِن أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلا رَدَّ اللهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيهِ السَّلَامَ) رواه أبو داود (2041)، صححه النووي في "الأذكار" (ص 154)، وابن حجر في "فتح الباري" (6/ 563)،
وعن أبي بكر الصديق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أكثروا الصلاة علي، فإن الله وكل بي ملكا عند قبري، فإذا صل علي رجل من أمتي قال لي ذلك الملك: يا محمد إن فلان بن فلان صلى عليك الساعة) وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (1530).
ثم قال " قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاَتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ يَقُولُونَ: بَلِيتَ "، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ» أي: إن الله يحفظ أجساد الأنبياء وهُم في قُبورِهم، فتبقى سليمة ولا تبلى، وهذا من كرامتهم على الله، وحياة الأنبياء في قبورهم حياة غيبية علمها لله وحده.
والله الموفق
الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
أبو عاصم الشحات شعبان محمود البركاتي المصري الأثري
01064763195