حكى الحافظ الذهبي في «تذكرة الحفاظ» عن الحاكم أبي عبد الله النيسابوري، صاحب «المستدرك على الصحيحين»، في ترجمة الحافظ الإمام أبي مسلم عبد الرحمن بن محمد بن مهران البغدادي رحمه الله، أن أبا مسلم كان من أهل العلم والحديث، وقد وصفه أبو الفتح بن أبي الفوارس بأنه «ثَبْتٌ زاهد»، كما نقل الخطيب أنه كان متقنًا حافظًا، مع ورع وزهد وتدين.
وكان الحاكم حريصًا على لقاء أبي مسلم والاستفادة منه، فقال:
«دخلت مرو وما وراء النهر فلم أظفر به».
ثم ذكر أنه طلبه في القوافل في الحج سنة خمس وستين، فلم يجده، وحج سنة سبع وستين وهو يظن أن أبا مسلم بمكة، فقيل له إنه ببغداد، فذهب يطلبه هناك حتى دُلَّ عليه.
وبعد أن اجتمع به، جلس معه للمذاكرة، ثم لازمه بعد ذلك مرات. وتذكر الرواية أن أبا مسلم خرج إلى مكة سنة ثمان وستين، وجاور بها حتى توفي، وأنه كان يجتهد في ألا يظهر للناس طلبًا للشهرة.
وتكشف هذه القصة، كما وردت في كتب التراجم، عن الحرص على لقاء أهل العلم والمذاكرة معهم، والصبر على مشقة البحث عن العالم والوصول إليه. فقد طلب الحاكم أبا مسلم في أكثر من بلد، ولم يكتفِ بما بلغه عنه، حتى اجتمع به وجالسه واستفاد من مذاكرته.
وهذا معنى تربوي واضح من أحداث الرواية نفسها: أن طالب العلم يحرص على التلقي والمذاكرة مع أهل العلم، ويبذل الجهد للوصول إلى العلم وأهله، دون أن نضيف إلى القصة ما لم تذكره المصادر.
المصادر: تذكرة الحفاظ للذهبي، سير أعلام النبلاء للذهبي، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي. وقد وردت ترجمة أبي مسلم عبد الرحمن بن محمد بن مهران وأخبار لقاء الحاكم به في هذه المصادر.