[الشيخ ابن تيمية تآليف لا يمكن حصرها بكسب الوقت]
وأعجب من ذلك حال شيخ الإسلام ابن تيمية أبي العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني الدمشقي الحنبلي، المولود سنة ٦٦١، والمتوفي سنة ٧٢٨ رحمه الله تعالى، عن ٥٧ سنة وعن نحو خمس مئة مجلد تأليفا، كان لا يمكن أن يفوت من وقته ساعة دون تعليم أو تأليف أو عبادة، حتى بلغت مؤلفاته المئات، بل لم يمكن حصرها للمتتبعين حتى ولا للشيخ نفسه رحمه الله.
جاء في ترجمته عند ابن شاكر الكتبي في ((فوات الوفيات)) (١): ((إن تصانيفه تبلغ ثلاث مئة مجلد، قال الذهبي: وما يبعد أن تصانيفه إلى الآن تبلغ خمس مئة مجلد)). انتهى. وقد ألف تلميذه الإمام ابن القيم في أسماء كتبه رسالة، بلغت صفحاتها ٢٢ صفحة، وذكر فيها ما يقارب ٣٥٠ مؤلف، بين كتاب كبير ورسالة وقاعدة (٢).
وقال الشيخ ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه ((الوابل الصيب من الكلم الطيب)) (٣): ((الحادي والستون من فوائد الذكر: أنه يعطي الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه. وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية، في سننه، وكلامه، وإقدامه، وكتابته: أمرا عجيبا، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر ... )). انتهى.
والصحيح في عدد تآليف الشيخ ابن تيمية، ما قاله الحافظ ابن رجب في ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٤): ((وأما تصانيفه فقد امتلأت بها الأمصار، وجاوزت حد الكثرة، فلا يمكن لأحد حصرها)). انتهى.هذا أيها القارئ الكريم جهد إنسان واحد من العلماء حفظ وقته، قال العارفون به: لا يمكن حصر مؤلفاته، وهو كذلك.
[الشيخ ابن تيمية يطالع ويقرر العلم حال مرضه وسفره]
قلت: وسبب هذا الثراء العجيب في التآليف، أن الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى، كان لا ينفك عن المطالعة والكلام في العلم وتقريره، في حال حضره وسفره وصحته ومرضه، قال تلميذه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، في كتابه ((روضة المحبين)) (١):
((وحدثني شيخنا - ابن تيمية - قال: ابتدأني مرض، فقال لي الطبيب: إن مطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض، فقلت له: لا أصبر على ذلك، وأنا أحاكمك إلى علمك، أليست النفس إذا فرحت وسرت قويت الطبيعة، فدفعت المرض، فقال: بلى، فقلت له: فإن نفسي تسر بالعلم، فتقوى به الطبيعة، فأجد راحة، فقال: هذا خارج عن علاجنا)).
-------------