اليقين بالفطرة قد يتفوق على اليقين بالعلم المكتسب، لأن الأول يظل قوياً حتى الممات، والثاني قابل للتغيير بتغير حال صاحبه، فقد ينتكس، وقد يشك، وقد تتجاذبه الشبهات، والفلسفات، والثبات من الله تعالى وبالله.
وفي ذلك قصة لها دلالة قريبة: بينما كان الإمام فخر الدين الرازي المفسر الكبير، يسير في أحد شوارع مدينة نيسابور في موكب يحيط به تلاميذه وطلابه، سألت امرأة عجوز كانت تتوكأ على عصاها: "من هذا؟"، فقيل لها: "هذا الإمام الرازي الذي يعرف ويحفظ ألف دليل على وجود الله"؛ فقالت ببساطة وفطرة: "لو لم يكن في قلبه ألف شك، لما احتاج إلى ألف دليل!"، وعندما بلغه قولها وتأمل فيه، قال متواضعاً: "اللهم إيمانًا كإيمان العجائز".
وكثير من العلماء كانوا يخافون سلب الإيمان منهم قبل الموت، ومن هؤلاء:
. الصحابي أبو الدرداء (رضي الله عنه)
كان يقول: «ما أمن عبدٌ على إيمانه إلا سُلِبه». وكان يشتد خوفه من النفاق والفتن ويقول: «أخاف أن يسلب مني إيماني ولا أدري».
. التابعي أبو إدريس الخولاني، رحمه الله.
من أئمة التابعين وعلمائهم في الشام، نُقل عنه قوله الحاسم في هذا الباب: «من لا يخاف على إيمانه ذهب»؛ مستنداً إلى أن العبد لا ينبغي له الطمأنينة المطلقة بل يظل بين الخوف والرجاء.
. الإمام الحسن البصري، رحمه الله
كان من أشد الناس تحذيراً من الأمن من مكر الله والخوف من النفاق وسلب الإيمان، وهو القائل كلمته الشهيرة عن النفاق: «ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق».
. الإمام سفيان الثوري، رحمه الله
كان الإمام سفيان الثوري (أمير المؤمنين في الحديث) يكثر من البكاء والقلق عند الموت. ونُقل عنه أنه أخذ عوداً من الأرض وقال: «لذنوبي أهونُ علي من هذا، ولكني أخافُ أن أسلب التوحيد قبل أن أموت».
٥. الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله
في لحظات احتضاره، كان يُسمع وهو يقول: «لا بعدُ.. لا بعدُ»، فلما أفاق وسأله ابنه عبد الله عن ذلك، قال: «إن الشيطان قائم بحذائي عاضّ على أنامله يقول: فُتَّني يا أحمد (أي نجوت مني)، فأقول: لا بعدُ حتى أموت»؛ خوفاً من أن يُفتن في دينه في اللحظات الأخيرة.
وسمعت الشيخ أبي إسحاق الحويني رحمه الله تعالى، وهو يرجو أن يموت مسلما على الإسلام.
والسؤال: لماذا يخاف الراسخون في العلم تحديداً؟!
لأنهم كلما ازدادوا علماً بالله وبتقلب القلوب، وعلموا بحقيقة الفتن والصوارف، أدركوا أن الإيمان منحة ربانية وتفضل من الله، وكان من دعائهم الدائم ما علّمه القرآن في سورة آل عمران: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾.
بينما أغلب البسطاء يعيشون على الفطرة لا يشغلهم سلب الإيمان، ولا يشعرون بخطورة ذلك، وكثير من قصص البسطاء تشهد على قوة يقينهم في الله تعالى وقوة مواجهتهم للفقر والمرض والموت.
نسأل الله تعالى يقينا لا ينفد، وتوحيدا لا ينقطع، وحسن خاتمة تفضي إلى الجنة.