الطبيب ابن النفيس إمام في الطب والفقه وحفظ الوقت
ومن العلماء الكبار، والأطباء الأفذاذ النبغة الأخيار، الذين حافظوا على الوقت واللحظات، وتسجيل الأفكار والخطرات، في أغرب الأوقات والساعات: شيخ الطب في عصره ابن النفيس الدمشقي ثم المصري. جاء في ترجمته في ((روضات الجنات)) للخوانساري (١)، نقلا عن ((الوافي بالوفيات)) لصلاح الدين الصفدي، ما أقطف منه ما يلي:
((الإمام الفاضل الحكيم العلامة علاء الدين ابن النفيس على بن أبي حزم القرشي - نسبة إلى بلدة قرش من بلاد ما وراء النهر - المولود بدمشق في حدود سنة ٦١٠، والمتوفي بالقاهرة سنة ٦٨٧ رحمه الله تعالى.
كان إماما في علم الطب، أوحد، لا يضاهي في ذلك ولا يداني استحضارا ولا استنباطا، وله في الطب التصانيف الفائقة، والتواليف الرائقة.
صنف كتاب ((الشامل)) في الطب، وتدل فهرسة هذا الكتاب على أنه يكون في ثلاث مئة سفر، ذكر ذلك بعض أصحابه، وبيض منها ثمانين سفراً. وألف كتاب ((المهذب في الكحل))، و ((شرح القانون لابن سينا)) في عدة أسفار، وغير ذلك في الطب (١).
وله معرفة بالمنطق، وصنف فيه مختصرا، وشرح كتاب ((الهداية)) لابن سينا في المنطق، وصنف أيضا في أصول الفقه، والفقه، والعربية، والحديث، وعلم البيان، وغير ذلك، وشرح من أول ((التنبيه)) لأبي إسحاق الشيرازي في فروع الشافعية، من أوله إلى (باب السهو)، شرحاً حسناً، وكان قد تولى تدريس الفقه في المدرسة المسرورية بالقاهرة.
وقال الإمام برهان الدين إبراهيم الرشيدي: كان العلاء بن النفيس، إذا أراد التصنيف، توضع له الأقلام مبرية، ويدير وجهه إلى الحائط، ويأخذ في التصنيف إملاء من خاطره، ويكتب مثل السيل إذا انحدر، فإذا كل القلم وحفى، رمى به وتناول غيره، لئلا يضيع عليه الزمان في بري القلم. وكان يكتب - إذا صنف - من صدره، من غير مراجعة حالة التصنيف.
[مسامرة ابن النفيس بالعلم مع ابن واصل حتى الفجر]
وقال السديد الدمياطي الحكيم بالقاهرة، وكان من تلاميذه:
اجتمع ليلة هو والقاضي جمال الدين بن واصل، وأنا نائم عندهما، فلما فرغا من صلاة العشاء الآخرة، شرعا في البحث، وانتقلا من علم إلى علم، والشيخ علاء الدين في كل ذلك يبحث برياضة ودون انزعاج، وأما القاضي جمال الدين فإنه كان ينزعج، ويعلو صوته، وتحمر عيناه، وتنتفخ عروق رقبته، ولم يزالا كذلك إلى أن سفر الصبح.
فلما انفصل الحال قال القاضي جمال الدين: يا شيخ علاء الدين، أما نحن فعندنا مسائل ونكت وقواعد، أما أنت فعندك خزائن علوم.
[تسجيل ابن النفيس بعض مباحث الطب أثناء استحمامه]
وقال آخر: دخل الشيخ علاء الدين مرة إلى الحمام التي في باب الزهومة، فلما كان في بعض تغسيله خرج إلى مسلخ الحمام - موضع نزع الثياب وخلعها - واستدعى بدواة وقلم وورق، وأخذ في تصنيف مقالة في النبض إلى أن أنهاها، ثم عاد ودخل الحمام وكمل تغسيله.
وكان ذا مروءة، وكان لا يحجب نفسه عن الإفادة ليلا ولا نهارا، وكان يحضر مجلسه في داره جماعة من الأمراء، ومهذب الدين بن أبي حليقة رئيس الأطباء، وشرف الدين الصغير، وأكابر الأطباء، ويجلس الناس على طبقاتهم. وعليه وعلى عماد الدين النابلسي تخرج الأطباء بمصر والقاهرة، وكان قد ابتنى فيها دارا، وفرشها بالرخام حتى إيوانها.
وفي علته التي توفي فيها، أشار عليه بعض أصدقائه الأطباء، بتناول شيء من الخمر، إذ كانت علته تناسب أن يتداوى بها على ما زعموا، فأبى أن يتناول شيئا من ذلك، وقال: لا ألقى الله تعالى وفي باطني شيء من الخمر. ولم يكن متزوجا. ووقف داره هذه، وكتبه، وأمواله على البيمارستان المنصوري (١).
[ابن النفيس كاشف الدورة الدموية قبل سبعة قرون]
وبالجملة: كان إماما عظيما، وكان كثير من الأفاضل يقولون: هو ابن سينا الثاني)). انتهى. ولا تنس أن ابن النفيس هو كاشف (الدورة الدموية) في البدن، منذ أكثر من سبعة قرون، ذلك الكشف العظيم الهائل في عالم الطب.
قال عبد الفتاح: وكان مع هذا الفضل العظيم والنبوغ الباهر في الطب وغيره، يتواضع فيصف نفسه في إجازاته للمستفيدين والمتخرجين به، باسم (المتطبب)، وهو إمام الطب والأطباء في عصره، كما تراه في نموذج من خطه الجميل، المصور في ترجمته في كتاب ((الأعلام)) للزركلي (٢).
----------