خطبة عيد الأضحى 1447
أبو عاصم البركاتي الأثري
الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعين به ونستهديه ونستغفره ، وأشهد أن لا إلا الله وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وبعد:
أيها الأخوة في الله: اتقوا الله فإن تقوى الله خير زاد ، قال تعالى : { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ } [البقرة :197]
فهذا يوم عيد الأضحى ، يوم النحر، يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، ورد في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ» [أخرجه أبو داود]. يومُ النَّحْرِ" وهو عاشرُ ذي الحِجَّةِ، ثمَّ "يَومُ القَرِّ"، وهو ثاني يومِ النَّحْرِ، وسُمِّي بذلك؛ لأنَّ الحَجيجَ يَقِرُّونَ فيه بمِنًى بعدَما أدَّوْا أعمالَهُمْ.
هذا وإن كثيرا من أعمال الحج هي أحداث حدثت لنبي الله ورسوله إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، قال تعالى : { إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ } [آل عمرا: 68].
فذبح الهدي والأضاحي ورمي الجمار وغير ذلك من هدي إبراهيم عليه السلام.
يقول الله تعالى: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ(111)} [سورة الصافات]
يذكر الله تعالى عن خليله إبراهيم أنه لما هاجر من بلاد قومه سأل ربه أن يهب له ولدا صالحا فبشره الله تعالى بغلام حليم ، وهو إسماعيل عليه السلام ؛ لأنه أول من ولد له على رأس ست وثمانين سنة من عمر الخليل ، وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل الملل أنه أول ولده وبكره . وقوله : {فلما بلغ معه السعي} أي شب وصار يسعى في مصالحه كأبيه . ، فلما كان هذا أري إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يؤمر بذبح ولده هذا .
وفي هذا وقفات وعبر وعظات:
الأولى: سنة الأضحية إحياء لذكرى فداء إسماعيل عليه السلام.
قال تعالى { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3) }[سورة الكوثر]
قَالَ قَتَادَةُ وَعَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ: الْمُرَادُ صلاة العيد، ونحر الأضحية.
وأخرج البخاري(5564) ومسلم (1966) عن أَنَس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، وَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى صَفْحَتِهِمَا وَيَذْبَحُهُمَا بِيَدِهِ».
الثانية: الاستسلام والخضوع لله تعالى فيما أمر ، فإن أبا الأنبياء عليه السلام استسلم هو وولده إسماعيل لأمر الله تعالى. { قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ . فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} . يقول الإمام الطحاوي رحمه الله: "ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام" ["شرح الطحاوية" (1/ 231)].
قال تعالى : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [النساء: 65].
فالاستسلام لأمر الله واجب ، وبغيره يهوي الإنسان ويشقى .
قف بالخضُوعِ ونادِ يا اللهُ ... إنَّ الكريمَ يُجيبُ من ناداهُ
واطلُب بطاعَتِهِ رِضاهُ فلم يزَلْ ... بالجودِ يُرضِي طالبينَ رِضَاهُ
واسأَلْهُ مغفرةً وفضْلًا إنَّهُ ... مبسوطَتَانِ لسَائليهِ يداهُ
واقصِدْهُ منقطِعًا إليه فكلُّ من ... يرجُوهُ مُنقطِعًا إليه كفاهُ
شَمِلَتْ لطائِفُهُ الخلائِقَ كلَّهَا ... ما للخَلَائقِ كافلٌ إلَّا هُو
فعزيزُها وذليلُها وغنيُّها ... وفقيرُها لا يرتَجُون سِوَاهُ
الثالثة: أن رؤيا الأنبياء حق ووحي، ومما يدل على ذلك أيضا ما أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ أَوَّلَ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ.
الرابعة: أن الذبيح هو إسماعيل وليس إسحاق عليهما السلام، دليل ذلك أن إبراهيم بعد أن أمر بذبح ولده بشره الله بإسحاق نبيا فكيف يؤمر بذبحه وهو صغير، وقد بشر بأنه سيكبر ويكون نبيا : {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق } [الصافات] .
ويقول تعالى : { وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ } يعني أنه سيكبر ويكون نبيا ويكون ولده يعقوب نبيا كذلك، فكيف يؤمر بذبحه وهو غلام؟.
وعليه فالذبيح هو إسماعيل عليه السلام.
الخامسة: رحمة الله تعالى بهما وذلك بأن فدى إسماعيل بذبح عظيم ، { فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } [الصافات: 103 - 107]. وكان هذا الذبح كبشا عظيما فدى الله تعالى به إسماعيل، فذبحه الخليل عليه السلام، واحتفظ إسماعيل بقرنيه، فجعله في الكعبة، وظلت قريش تتوارثه إلى بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، واحترق القرنان في خلافة بني أمية لما احترق البيت. قَالَ الشَّعْبِيُّ: رَأَيْتُ قَرْنَيِ الْكَبْشِ فِي الْكَعْبَةِ.
السادسة : بر الوالد وذلك في بر إسماعيل لأبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام. حين أخبره والده بالرؤيا قائلاً: {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ}، لم يعترض ولم يتردد، بل كان رده غاية في الأدب والطاعة: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}.
السابعة: رمي الجمار وديمومة عداوة الشيطان، قال تعالى : { إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ }، وعليه فالحجاج يرمون الجمرات اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، واتباعًا لأمره، وتذكرًا لما وقع لإبراهيم عليه الصلاة والسلام لما عرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات. روى ابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه، واللفظ له، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أتى إبراهيم خليل الله صلوات الله وسلامه المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثالثة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض. قال ابن عباس: الشيطان ترجمون، وملة أبيكم إبراهيم تتبعون.
الخطبة الثانية
يوم العيد يوم إظهار الفرح والسرور بنعمة الله تعالى، ففي الحديث عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ قَالَ: " كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَانِ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ: " كَانَ لَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا، وَقَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمُ الْفِطْرِ، وَيَوْمُ النَّحْرِ " [أبو داود والنسائي وأحمد]
وكذلك عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الجهني، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» [أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد]
وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ، تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثٍ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي، وَقَالَ: مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا»، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا، وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِمَّا قَالَ: «تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ، خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ» حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ، قَالَ: «حَسْبُكِ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاذْهَبِي».
وفي هذا أيضا تقول عائشة رضي الله عنها قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ: " لَتَعْلَمُ يَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً، إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ " . [أخرجه أحمد والحميدي]
وعليه فلا بأس ببعض اللهو المباح، غير المصادم لمحاسن العادات. والخالي من المنكر وخوارم المروءة .
ثم الدعاء والثناء
والله وحده من وراء القصد