الإشعارات
مسح الكل

عمرٌ واحد.. وآلاف المجلدات: كيف صنع ابن عساكر موسوعاته؟


(@user186955)
Prominent Member
انضم: مند سنة واحدة
المشاركات: 282
بداية الموضوع  
[ضخامة ما قدمه الحافظ ابن عساكر للمكتبة الإسلامية]
 
كان الحافظ أبو القاسم بن عساكر الدمشقي (على بن الحسن) المولود بدمشق سنة ٤٩٩، والمتوفي بها سنة ٥٧١ رحمه الله تعالى، يحافظ على اللحظات من وقته، فجاد على المكتبة الإسلامية بتآليف، تعجز المجامع اعلمية اليوم عن طبعها! وقد كتبها وحده، وألفها بيده وقلمه، وحررها وحققها، وجمع أصولها، وانتخب منها، ونسقها ورتبها، وأخرجها للناس آية باقية ناطقة بأنه كان أعجوبة الأعاجيب في سعة الحفظ، ووفرة المعرفة، ونفاذ الهمة في القدرة على التأليف وكثرة المصنفات المدهشة.
 
وأسوق هنا طرفا وجيزا من ترجمته عن ثلاثة كتب، مقتصرا منها على ما يتعلق بكثرة التطواف، ووفرة المؤلفات، وشدة الحافظ على الأوقات واللحظات.
 
١ - قال المؤرخ القاضي ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (١)، في ترجمته: ((كان محدث الشام في وقته، ومن أعيان الفقهاء الشافعية، غلب عليه الحديث فاشتهر به، وبالغ في طلبه إلى أن جمع منه مالا يتفق لغيره، ورحل وطوف وجاب البلاد، ولقى المشايخ، وكان رفيق الحافظ أبي سعد عبد الكريم ابن السمعاني في الرحلة - وقد بلغ تعداد شيوخ السمعاني الذين لقيهم في دار الإسلام سبعة آلاف شيخ -.
 
وكان حافظاً ديناً، جمع بين المتون والأسانيد، سمع ببغداد، ثم رجع إلى دمشق، ثم رحل إلى خراسان، ودخل نيسابور وهراة وأصبهان والجبال، وصنف التصانيف المفيدة، وخرج التخاريج، وكان حسن الكلام على الأحاديث، محظوظا في الجمع التأليف، صنف ((التاريخ لدمشق)) في ثمانين مجلدا، أتى فيه بالعجائب، وهو على نسق ((تاريخ بغداد)) - للخطيب البغدادي، من حيث شرطه فيمن ذكرهم فيه، ولكنه أضعافه حجما واتساعا وشمولا وإفادات متنوعة -.
 
قال لي شيخنا الحافظ العلامة زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري حافظ مصر، وقد جرى ذكر هذا التاريخ، وأخرج لي منه مجلدا، وطال الحديث في أمره واستعظامه: ما أظن هذا الرجل إلا عزم على وضع هذا التاريخ من يوم عقل على نفسه، وشرع في الجمع من ذلك الوقت، وإلا فالعمر يقصر عن أن يجمع فيه الإنسان مثل هذا الكتاب بعد الاشتغال والتنبه (١) ولقد قال الحق، ومن وقف عليه عرف حقية هذا القول، ومتى يتسع للإنسان الوقت حتى يضع مثله، وهذا الذي ظهر - أي من التاريخ - هو الذي اختاره، وما صح له هذا إلا بعد مسودات ما كاد ينضبط حصرها، وله غيره تواليف حسنة، وأجزاء ممتعة)). انتهى كلام القاضي ابن خلكان. وقد زادت مؤلفات الحافظ أبي القاسم بن عساكر على خمسين كتابا، أحدها ((تاريخ مدينة دمشق)) في ثمانين مجلدا، كما سبق ذكره.
 
[علو همة ابن عساكر وسعة طوافه بلدان الإسلام]
 
٢ - وقال الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١)، في ترجمته: ((الإمام الحافظ الكبير، محدث الشام، فخر الأئمة، أبو القاسم بن عساكر، صاحب التصانيف و ((التاريخ الكبير))، ولد في أول سنة ٤٩٩، وسمع في سنة ٥٠٥، باعتناء أبيه وأخيه الإمام ضياء الدين هبة الله، فسمع ... بدمشق، ورحل في سنة عشرين، فسمع ... ببغداد، و ... بمكة، و ... بالكوفة، و ... بنيسابور، و ... بأصبهان، و ... بمرو، و ... بهراة، وعمل ((الأربعين البلدانية)) - أربعين حديثا من أربعين شيخا من أربعين بلدا -، وعدد شيوخه ألف وثلاث مئة شيخ، ونيف وثمانون امرأة.
 
وحدث عنه خلق كثير، ومنهم صاحبه في الرحلة أبو أسعد السمعاني، - ثم عدد الذهبي تواليفه، فبلغت نحو خمسين كتاباً -، وأملي في أبواب العلم أربع مئة مجلس وثمانية - وكل إملاء مجلس منها بمثابة تأليف -.
 
قال ولده المحدث بهاء الدين القاسم: كان أبي رحمه الله مواظبا على الجماعة والتلاوة، يختم كل جمعة، ويختم في رمضان كل يوم، ويعتكف في المنارة الشرقية - من جامع دمشق -، وكان كثير النوافل والأذكار، ويحيى ليلة النصف - من شعبان - والعيدين بالصلاة والذكر، وكان يحاسب نفسه على لحظة تذهب! لم يشتغل منذ أربعين سنة أي منذ أذن له شيوخه بالرواية والتحديث - إلا بالجمع والتسميع حتى في نزهته وخلواته.
 
قال الحافظ أبو العلاء الهمذاني: ما كان يسمي أبو القاسم بن عساكر في بغداد إلا شعلة نار، من ذكائه وتوقده وحسن إدراكه. وقال أبو المواهب بن صصرى: قلت له: هل سيدنا رأى مثل نفسه؟ قال: لا تقل هذا، قال الله تعالى: (لا تزكوا أنفسكم) (١). قلت: فقد قال الله تعالى: (وأما بنعمة ربك فحدث) (١)، فقال: لو قال قائل: إن عيني لم تر مثلي لصدق.
 
ثم قال أبو المواهب: وأنا أوقل: لم أر مثله، ولا من اجتمع فيه ما اجتمع فيه، من لزوم طريقة واحدة مدة أربعين سنة، من لزوم الصلوات في الصف الأول إلا من عذر، والاعتكاف في شهر رمضان وعشر ذي الحجة، وعدم التطلع إلى تحصيل الأملاك وبناء الدور، قد أسقط ذلك عن نفسه، وأعرض عن طلب المناصب من الإمامة والخطابة، وأباها بعد أن عرضت عليه، وأخذ نفسه بالأمر المعروف والنهي عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم)). انتهى.
 
[انقطاع ابن عساكر للعلم وكثرة شيوخه وشيخاته وقوة إتقانه]
 
٣ - وقال الإمام تاج الدين السبكي في ((طبقات الشافعية الكبرى)) (٢) في ترجمته: ((الإمام الجليل، حافظ الأمة، أبو القاسم بن عساكر، ولا نعلم أحدا من جدوده يسمى عساكر، وإنما هو اشتهر بذلك، وهو ناصر السنة وخادمها، إمام أهل الحديث في زمانه، وختام الجهابذة الحفاظ، محط رحال الطالبين.
 
جمع نفسه على أشتات العلوم، لا يتخذ غير العلم والعمل، صاحبين له، وهما منتهى أربه، حفظ لا تغيب عنه شاردة، وضبط استوت لديه الطريفة الوتالدة، وإتقان ساوى به من سبقه إن لم يكن فاقه، وسعة علم أثرى بها وترك الناس كلهم بين يديه ذوي فاقة. سمع خلائق، وعدة شيوخه ألف وثلاث مئة شيخ، ومن النساء بضع وثمانون امرأة، وارتحل إلى العراق، ومكة، والمدينة، وارتحل إلى بلاذ العجم، فسمع بأصبهان، ونيسابور، ومرو، وتبريز، وميهنة، ويبهق، وخسروجرد، وبسطام، ودامغان، والري، وزنجان، وهمذان، وأسداباذ، وجي، وهراة، وبون، وبغ، وبوشنج، وسرخس، ونوقان، وسمنان، وأبهر، ومرند، وخوي، وجرباذقان، ومشكان، وروذراور، وحلوان، وأرجيش.
 
وسمع بالأنبار، والرافقة، والرحبة، وماردين، وماكسين، وغيرها من البلاد الكثيرة، والمدن الشاسعة، والأقاليم المتفرقة، لا ينفك نائي الدار، يعمل مطيه في أقاصي القفار، وحيدا لا يصحبه إلا تقى اتخذه أنيسه، وعزم لا يرى غير بلوغ المآرب درجة نفيسة.
 
وقال شيخه الخطيب أبو الفضل الطوسي: ما نعرف من يستحق هذا اللقب اليوم سواه، يعني لقب (الحافظ). وقال ابن النجار: هو إمام المحدثين في وقته، ومن انتهت إليه الرياسة في الحفظ والإتقان، والمعرفة التامة بعلوم الحديث، والثقة والنبل، وحسن التصنيف والتجويد، وبه ختم هذا الشأن.
 
قال ابن النجار: وسمعت شيخنا عبد الوهاب بن الأمين، يقول: كنت يوما مع الحافظ أبي القاسم بن عساكر وأبي سعد بن السمعاني، نمشي في طلب الحديث ولقاء الشيوخ، فلقينا شيخا، فاستوقفه ابن السمعاني ليقرأ عليه شيئا، وطاف على الجزء الذي هو سماعه في خريطته، فلم يجده وضاق صدره، فقال له ابن عساكر: ما الجزء الذي هو سماعه؟ فقال: كتاب ((البعث والنشور)) لابن أبي داود، سمعه من أبي نصر الزينبي، فقال له: لا تحزن، وقرأه عليه من حفظه أو بعضه. قال ابن النجار: الشك من شيخنا.
 
وقال فيه الشيخ محيى الدين النووي، ومن خطه نقلت: هو حافظ الشام بل هو حافظ الدنيا، الإمام مطلقا، الثقة الثبت.
 
[تأخر مسموعات ابن عساكر عليه وقلقه عليها حتى وصلت]
 
وحكى ولده الحافظ أبو محمد القاسم، قال: كان أبي قد سمع كتبا كثيرة لم يحصل منها نسخا، اعتمادا منه على نسخ رفيقه الحافظ أبي علي بن الوزير، وكان ما حصله ابن الوزير لا يحصله أبي، وما حصله أبي لا يحصله ابن الوزير.
 
فسمعته ليلة من الليالي، وهو يتحدث مع صاحب له في ضوء القمر في الجامع، فقال: رحلت وما كإني رحلت! وحصلت وما كأني حصلت! كنت أحسب أن رفيقي ابن الوزير يقدم بالكتب التي سمعتها، مثل ((صحيح البخاري)) و ((مسلم))، وكتب ((البيهقي))، وعوالي الأجزاء، فاتفقت يكناه بمرو وإقامته بها.
 
وكنت أؤمل وصول رفيق آخر، يقال له: يوسف بن فاروا الجياني، ووصول رفيقنا أبي الحسن المرادي، فإنه يقول لي: ربما وصلت إلى دمشق، وتوجهت منها إلى بلدي الأندلس، وما أرى واحدا منهم جاء إلى دمشق، فلابد من الرحلة ثالثا، وتحصيل الكتب الكبار، والمهمات من الأجزاء والعوالي.
 
فلم يمض إلا أيام يسيرة حتى جاء إنسان من أصحابه إليه، ودق عليه الباب، وقال: هذا أبو الحسن المرادي قد جاء، فنزل أبي إليه، وتلقاه وأنزله في منزله، وقدم علينا بأربعة أسفاط مملوءة من الكتب
 
المسموعات، ففرح أبي بذلك فرحا شديدا، وشكر الله سبحانه على ما يسره له من وصول مسموعاته إليه، من غير تعب، وكفاه مؤونة السفر، وأقبل على تلك الكتب فنسخ واستنسخ، حتى أتى على مقصودة منها، وكان كلما حصل على جزء منها، كأنه حصل على ملك الدنيا، رحمه الله تعالى ورضي عنه)).انتهى.
 
هذه لمعات من سيرة هذا الإمام الفذ: الحافظ ابن عساكر الدمشقي، وفيها ما رأيت من العجائب الغرائب، والمدهشات المطربات. ولولا محافظته على الأوقات، واغتنامه الدقائق واللحظات، ما كانت تتأتى له تلك التآليف الضخمة الجامعة الماتعة، التي تعجز المجامع العلمية اليوم عن طبعها فضلا عن تأليف مثلها. فالحفاظ الحفاظ على الأوقات واللحظات، فهي كنز البركات والخيرات.


   
اقتباس
شارك: