عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: ((أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلامٌ. فَنَظَرَ إلَى أَعْلامِهَا نَظْرَةً. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إلَى أَبِي جَهْمٍ , وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ. فَإِنَّهَا ⦗٩٩⦘ أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلاتِي))
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
حكم الصلاة في الثوب الذي فيه تصاوير أو نقوش أو أعلام
دلّ الحديث على كراهة الصلاة في الثوب الذي يحتوي على أعلام (نقوش أو خطوط ملوّنة) أو ما يشبهها مما يشغل المصلي. وفي هذا الحكم اختلاف بين المذاهب:
جمهور الفقهاء (الحنفية، والشافعية، والحنابلة): يذهبون إلى كراهة الصلاة في الثوب الموشى أو المخطط الذي يشغل المصلي تنزيهاً، وكذلك كراهة الصلاة إلى شيء يلهيه، لكن الصلاة صحيحة مع الكراهة.
المالكية: يفرّقون في معتمد المذهب؛ فالأعلام والخطوط في الثوب مكروهة إذا كانت تشغل المصلي، بينما ذهب بعض أئمتهم إلى أن كراهة ذلك مشروطة بكونها في قبلة المصلي أو ثوبه إن شروه بقلبه، والأصل عندهم صحة الصلاة مع التنزيه.
حكم قبول هدية المشرك أو المهدي إذا رُدَّت هديته الأولى لعلة
أشار الحديث إلى جواز الاستبدال بطلب "أنبجانية أبي جهم" تطييباً لقلبه بعد رد الخميصة عليه لئلا يقع في نفسه شيء.
اتفق الفقهاء على جواز قبول الهدية وتطييب قلب المهدي إذا رُدّت هديته لعلة غير معيبة في ذاتها، كأن يعوض بطلب شيء آخر منه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك لم يختلفوا في مشروعية هذا المسلك تطييباً للخواطر.
إرسال الهدايا وعطايا الأصدقاء بغير إذنهم المفصل
أخذ العلماء من قوله: "اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم" جواز التصرف في الهدايا وقبولها وإرسالها.
اتفق الفقهاء على جواز إرسال الهدية واستدعاء البدل (كالأنبجانية) من الصديق الملاطف الذي عُلم رضاه بطيب نفس، ولا يفتقر ذلك إلى إذن جديد إذا كانت القفائن والعادات بين الأصدقاء جارية به.
حكم إخراج ما يشغل عن الصلاة ونبذه
يدل الحديث على مشروعية إبعاد كل ما يضر بالخشوع أو يشغل الفكر في الصلاة.
اتفق الفقهاء على استحباب إزالة كل ما يشغل المصلي عن صلاته، سواء كان ثوباً يلبسه، أو شيئاً في قبلته، أو زينة في مصلاه، ترغيباً في تحصيل مقصود الصلاة الأسمى وهو الخشوع.
عذر المصلي إذا انشغل فكره بغير تعمد
دل قوله صلى الله عليه وسلم: "فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي" على أن عارض النسيان أو انشغال الفكر اليسير بالنظر إلى شيء دون قصد لا يقدح في أصل الصلاة.
اتفق الفقهاء على أن الالتفات بالقلب أو انشغال الفكر العارض بالنظر الفجائي في الصلاة لا يبطلها، وأن المعفو عنه ما لم يتعمده العبد ويسكن إليه بحيث يخرجه عن هيئة الخشوع الواجب.