مراجعة كتاب "أسس اختيار الرواة عند الإمام البخاري"
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد.فرغتُ من قراءة كتاب: "أسس اختيار الرواة عند الإمام البخاري، دراسة تحليلية لأسباب تحايد الإمام البخاري عن الراوي، جعفر الصادق أنموذجا، ومناقشة الاعتراضات الشيعية المعاصرة" للشيخ سعد الشيخ حفظه الله. وهذه مراجعة لأهم ما تضمنه الكتاب، وأقول مقدَّمًا: الكتاب نفيس جدًّا كسائر كتب الشيخ سعد، وقد أعدَّ في هذا الكتاب سمًّا ناقعا سقى آخر المبتدعة بكأس الأول؛ بدءًا من ابن عقيل الحضرمي إلى الغماري إلى عداب الحمش. وظهرت في البحث قوة المؤلف بارك الله فيه، وتمكنه في علم الحديث، وبمنهج البخاري.
جعل المؤلف بحثه النفيس في فصلين:
الفصل الأول: ترجمة الإمام جعفر الصادق وبيان مكانته في علم الحديث.
الفصل الثاني: عرض ومناقشة الأقوال حول أسباب التحايد، ومن جملة ما قالوا: إن الدوافع لذلك هي دوافع:
أ- طائفية.
ب- سياسية.
ج- نقدية.
فعرض المستندات والأدلة، وناقش الاعتراضات، ورد الأباطيل بمنهج وصفي استقرائي مقنع.
وهذا بيانه بالتفصيل:
في المقدمة
ذكر المؤلف سبب تأليفه للكتاب، وهو تلك الانتقادات الموجهة للبخاري عن عدم روايته في صحيحه عن جعفر الصادق، وزعمهم أن ذلك كان لأسباب طائفية وسياسية، وذكر أن هذا البحث جاء لتفنيد تلك الانتقادات، موضحا أنها لا تستند إلى فهم دقيق لمنهج البخاري في اختيار الرواة. وذكر أن البخاري روى له في "الأدب المفرد"، واحتج به "خلق أفعال العباد" في أعظم مسائل العقيدة اختلافا وهي مسألة القرآن؛ حيث أسند عنه قوله: "القرآن كلام الله ليس بمخلوق"؛ فاحتجاج البخاري به أرفع من الرواية عنه.
وفي الفصل الأول:ترجم المؤلف ترجمة موجزة لجعفر بن محمد الصادق، وذكر فضله وثناء أهل السنة عليه، وذكر عقيدته.
ثم بين منزلة جعفر الصادق في علم الرواية، وقرر أولا أن النقاد اتفقوا على عدالته وثقته وإمامته في الدين، ونقل كلام النقاد في ذلك، وذكر بعدها كلام بعض النقاد في روايته في الحديث وحفظه؛ كعدم تمييزه بين ما سمعه وما وجده وجادة عن آبائه، وهو ما سماه المؤلف "سوء الأخذ"، وما عابوه أيضا عليه من رواية الضعفاء عنه، واضطرابه، وقبوله التلقين.
وخلص المؤلف أن جعفر الصادق ثقة في الحديث لخمسة أسباب ذكرها. وأن الذهبي أفضل من حرر القول في جعفر، وأنه ثقة صدوق وما هو في الثبت كشعبة، وهو أوثق من سهيل وابن إسحاق...وغالب روايته عن أبيه مراسيل.
وفي الفصل الثاني:
عرض ومناقشة الأقوال حول أسبا تحايد البخاري عن جعفر في صحيحه:أ- تفسير التحايد بناء على دوافع طائفية: واستند هؤلاء على ثلاثة مستندات وهي: 1- كتمان البخاري فضائل أهل البيت في صحيحه.2-تحايده عن الرواية عن أئمة أهل البيت وعن شيعتهم.3-توثيقه وروايته عن أعداء أهل البيت من الخوارج والنواصب. ثم نقض هذه المستندات واحدة تلوى الأخرى: 1- أما كتمان البخاري فضائل أهل البيت في صحيحه فمنقوض بتبويبات البخاري مثل: "باب مناقب قرابة رسول الله"، و"باب مناقب علي.."، ومناقب جعفر والعباس و... وغيرها، ومن ذلك تضمنه حديث التشهد من الصلاة على الآل، أحاديث تنزيه الآل عن الصدقات. وذكر المؤلف جملة من تلك الأحاديث.
وقلب عليهم المؤلف الدليل عليهم: فالشيعة فسقوا وكفروا بعض أبناء الحسن بن علي وجعفر الصادق؛ كالكامل، والمثلِث، ومحمد النفس الزكية، وذموا محمد الديباج ابن جعفر، والأفطح، وزيد النار وغيرهم. فهذا الموقف تجاوز مجرد كتمان الفضائل الذي اتهم به البخاري إلى التجريح بل التكفير!
2- أما تحايده عن الرواية عن أهل البيت؛ فمنقوض بكثرة الرواية عن آل علي، وآل العباس وآل الحارث، وآل جعفر، ونساء أهل البيت، وبلغ جميع ذلك 18 راويا.
أما تحايد البخاري عن الرواية عن شيعة أهل البيت فهي دعوى لا أساس لها من الصحة؛ فبعض شيوخ البخاري من الشيعة بل بعضهم من غلاة الشيعة؛ كعبيد الله بن موسى وأبي نعيم وخالد القطواني، وعبَّاد بن يعقوب وغيرهم...وذكر المؤلف الرواة الشيعة والمنسوبين للتشيع الذين وردت روايتهم في صحيح البخاري وهم 42 راويا، ومنهم 7 روى عنهم تعليقا.
وهذا كله يدحض دعاوى تحايد البخاري عن الرواية للشيعة؛ فالمعيار عنده هو الضبط والإتقان بغض النظر عن بدعة التشيع.
3- أما توثيقه وروايته عن أعداء أهل البيت من الخوارج والنواصب؛ فلا يلزم منه أنه مؤيد لبدعتهم أو تقليله من عدائهم لعلي وأهل بيته؛ فالرواية عن المبتدع لا تعني تبرير بدعته، فالمعيار عنده هو الضبط والإتقان بغض النظر عن بدعة النصب أيضا.والرواة المنسوبون إلى الخوارج هم 9 رواة فقط، واثنان لم تثبت بدعة الخروج عليهم في القول الراجح، وهم: جابر بن زيد وعكرمة مولى بن عباس، وواحد رجع عن بدعته وهو سعد بن عبيدة، وقيل: إن عمران بن حطان رجع أيضا. وترجم المؤلف لكل راو وبين منزلته في الرواية ومن نسبه إلى الخروج، وسياق مروياته في صحيح البخاري. وبين المؤلف أن طريقة تخريج البخاري هي التحقق من صحة أحاديثهم، أنها لا تقوي بدعتهم، بل توبعوا عليها، ولها شواهد من الثقات. أما الرواة المتهمون بالنصب فهم 18 راويا، وترجم المؤلف لكل راو وبين منزلته في الرواية ومن نسبه إلى النصب، وعدد مروياته وكيفية تخريج البخاري له.وبين المؤلف أن منهج البخاري في التخريج لهؤلاء يتميز بـ: قلة نسبة الروايات عنهم لا تتجاوز 3 %. وانتقاء الروايات فلم يرو عنهم ما يقوي بدعتهم، وأنه لم يرو عنه ما انفردوا به، وبالتعامل مع الروايات بدقة مع كل راو، فبعضهم علق عنه، وبعضهم روى عنه في المتابعات أو قرنهم بغيرهم، وهكذا.ب- تفسير التحايد بناء على دوافع سياسية:
زعموا أن البخاري عدل عن جعفر الصادق لارتباطات سياسية، واستندوا على أمرين:
1- معاصرة البخاري للمتوكل الذي وُصف بالنصب.
2-ضرب الحافظ نصر الجهضمي بأمر من المتوكل بسبب روايته حديثا في فضل علي رضي الله عنه. وهذا تطبيق للمستند الأول في زعمهم.
وبين المؤلف أن هذه استنتاجات نظرية سطحية، فالأدلة الواقعية تبطل هذه التفسيرات، وأورد جملة من الأدلة منها:
1-غياب الأدلة على تدخل السلطة في تصنيف صحيح البخاري، ومن الأدلة على ذلك حشد البخاري لروايات لا تجري على أهواء السلطة السياسة؛ كروايته فضائل علي أهل البيت، وروايته عن الخلفاء الأمويين، وروايته عن محدثين صادموا السلطة العباسية وخرجوا عليها.
2- روايته عن آباء جعفر.
3-عدم تركه الرواية عن جعفر بالكلية، فقد روى عنه في كتابيه: "الأدب المفرد" و"خلق أفعال العباد".
4-عدم شمول الضغط المزعوم علماء آخرين في تلك المدة.
5-استمرار البخاري في تنقيح صحيحه بعد وفاة المتوكل، فكان بإمكانه في تسع سنين بغد وفاه المتوكل الرواية عن جعفر في الإبرازة الأخيرة لصحيحه.
وخلص المؤلف أن سبب تحايد البخاري هي أسباب نقدية، وهو ما وضحه في المبحث التالي.
ج-توضيح الأسباب النقدية وراء التحايد:
بين المؤلف أن البخاري له منهج في صحيحه؛ فاختياره للرواة تخضع لشرط الكتاب، واحتياجه للراوي، وأن كتابه مختصر فلم يقصد الرواية عن كل الثقاة؛ فلم يخرج للشافعي ولا حديثا واحدا، بل ولا لكثير من الصحابة، وبعضهم من العشرة المبشرين بالجنة.
وهذا سبَّب استغرابا ونقدا من بعض النقاد؛ كابن حبان والنسائي، والدارقطني، والذهبي، ونقدهم كان منهجيا لا طائفيا.
أما الأسباب التي جعلت البخاري يترك الرواية عن جعفر فهي: 1- ليس عند جعفر من الأحاديث الأصول ما يجعل روايته ضرورة حتمية، بل لم يكن أصلا من المكثرين في الرواية.2-وقوع جعفر في روايته أوهام وخلل واضطراب؛ كوصل المرسل، ورفع الموقوف وكثرة اختلاف أصحابه الثقات عنه.3-الكثير من أحاديث جعفر لا تجري على طريقة البخاري؛ لما فيها من مراسيل، وموقوفات، وفتاوى.4-وقوع جعفر في بعض عيوب الرواية في السماع؛ فلم يميز بين ما سمعه من أبيه وما رواه من النسخ.5-وجود أسانيد أجود وأعلى من الأسانيد التي استقام فيها حديث جعفر، وعقد المؤلف لذلك مقارنة محكمة بين أحاديث جعفر في صحيح مسلم وهي (24) حديثا وما يقابلها في صحيح البخاري، وأظهرت المقارنة منهج البخاري في صحيحه؛ اهتمامه بعلو الإسناد، والزيادات الفقهية، ودقته في الصناعة الحديثية، واختصاره واكتفائه بالأحاديث المسندة.ثم نقل المؤلف سجالات وردود كانت بينه وبين عداب الحمش، وظهر منها كبر وغرور عداب الحمش، وتفسيره تصرفات البخاري في صحيحه بدوافع طائفية سطحية، كما ظهر منها إلمام المؤلف بمنهج البخاري في اختيار الرواة وتقييمهم، وذكر منها: تقديمه معيار صحة الحديث وليس عدالة الراوي وحدها، والانتقاء من أحاديث الضعفاء، وترك الرواية عمن لم يميَّز حديثه، وتفريقه بين من روى عنهم في الأصول محتجا بهم وما رواه عن آخرين في الشواهد والمتابعات. ثم واصل المؤلف في نقض شبهات عداب الحمش المتهافتة، بمنهج نقدي استقرائي؛ فأسقطها كلها ولله الحمد. > سعد الشيخ: وفي الختام قلب المؤلف الدليل على الغماري؛ فتقمص شخصيته، وغيَّر كلامه، وأثبت عكس ما ذهب إليه، هذا لو أن المؤلف قرأ البخاري قراءة مؤدلجة مثلهم، فإلقاء الكلام على عواهنه والتفسير السطحي يحسنه كل أحد، فقد يقال: "إن البخاري متشيع لإكثاره من الرواية عن عتاة الروافض، وتنكبه لفضائل معاوية رضي الله عنه، وروايته لأحاديث تنصر عليا في حروبه"، وهذا إلزام من المؤلف لهؤلاء القوم، والقصد منه نقض زعمهم في نسبة البخاري إلى النصب والانحراف عن أهل البيت.
والحمد لله رب العالمين.
وكتبه أحسن موسي