الدر المعقود شرح سنن أبي داود
الأحاديث (1642)( 1643)( 1644)( 1645)( 1646) (1647) (1648) (1649)
28 - باب كَرَاهِيَةِ الْمَسْأَلَةِ.
1642 - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ (1) حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ (2) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ (3) عَنْ رَبِيعَةَ - يَعْنِى ابْنَ يَزِيدَ (4) - عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِىِّ (5) عَنْ أَبِى مُسْلِمٍ الْخَوْلاَنِىِّ (6) قَالَ حَدَّثَنِى الْحَبِيبُ الأَمِينُ أَمَّا هُوَ إِلَىَّ فَحَبِيبٌ وَأَمَّا هُوَ عِنْدِى فَأَمِينٌ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- سَبْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ تِسْعَةً فَقَالَ «أَلاَ تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-». وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ قُلْنَا قَدْ بَايَعْنَاكَ حَتَّى قَالَهَا ثَلاَثًا فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا فَبَايَعْنَاهُ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَعَلاَمَ نُبَايِعُكَ قَالَ «أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَتُصَلُّوا الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَتَسْمَعُوا وَتُطِيعُوا». وَأَسَرَّ كَلِمَةً خُفْيَةً قَالَ «وَلاَ تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا». قَالَ فَلَقَدْ كَانَ بَعْضُ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُهُ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا أَنْ يُنَاوِلَهُ إِيَّاهُ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ حَدِيثُ هِشَامٍ لَمْ يَرْوِهِ إِلاَّ سَعِيدٌ.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه مسلم (1043) والنسائي (460) وابن ماجه (2867) وابن زنجويه في الأموال (2065) وابن أبي عاصم في السنة (1049) والبزار في مسنده (2764) والروياني في المسند (602) وابن حبان (3385) والطبراني في الشاميين (335).
[تراجم الإسناد]
(1) هِشَامُ بنُ عَمَّارِ بنِ نُصَيْرِ بنِ مَيْسَرَةَ بنِ أَبَانٍ، أَبُو الوَلِيْدِ السُّلَمِيُّ. كَانَ يَقْرَأُ مِنْ كِتَابِهِ. قال فيه يَحْيَى بنِ مَعِيْنٍ: كَيِّسٌ كَيِّسٌ. وَقَالَ أَحْمَدُ العِجْلِيُّ: ثِقَةٌ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لاَ بَأْسَ بِهِ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: صَدُوْقٌ، كَبِيْرُ المَحَلِّ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: صَدُوْقٌ، لَمَّا كَبِرَ، تَغَيَّرَ، وَكُلُّ مَا دُفِعَ إِلَيْهِ، قَرَأَهُ، وَكُلُّ مَا لُقِّنَ، تَلَقَّنَ، وَكَانَ قَدِيْماً أَصَحَّ.
(2) الوليد بن مسلم، أبو العباس الدمشقي، قال فيه الذهبي: كان من أوعية العلم، ثقة حافظا، لكن رديء التدليس، فإذا قال: حدثنا، فهو حجة.
(3) سعيد بن عبد العزيز، أبو محمد التنوخي الدمشقي، وثقه أحمد وابن معين.
(4) ربيعة بن يزيد أبو شعيب الإيادي الدمشقي القصير. قال الدارقطني: ربيعة يعرف بالقصير، يعتبر به.
(5) أبو إدريس الخولاني، عائذ الله بن عبد الله، قاضي دمشق وعالمها وواعظها ولد عام الفتح. وثقه النسائي وغيره.
(6) أبو مسلم الخولاني الداراني، سيد التابعين وزاهد العصر. قدم من اليمن، وقد أسلم في أيام النبي -صلى الله عليه وسلم- فدخل المدينة في خلافة الصديق.
[شرح الحديث]
قولهم الصحابة في الحديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم: فَعَلاَمَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا " أي لا تعبدوا الله وحده ولا تعبدوا غيره، ولا تشركوا به نبياً مرسلاً، ولا ملكاً مقرباً ولا رئيساً ولا ملكاً ولا أحداً من الخلق، بل تفرده وحده بالعبادة محبة وتعظيماً، ورغبة ورهبة، وفي هذا تنبيه على التحذير من شرك غلاة الصوفية والباطنية الذين يصرفون العبادة من الدعاء وطلب الحوائج لقبور أمثال إبراهيم الدسوقي وأحمد البدوي وغيرهم، ويقدمون النذور لصناديق النذور في تلك المشاهد زاعمين أن ذلك ينفعهم عند الله تعالى، قَالَ تَعَالَى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}.
ثم قال "وَتُصَلُّوا الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ" وهي الفرائض في اليوم والليلة، " وَتَسْمَعُوا وَتُطِيعُوا" لله ورسوله ولولي الأمر في غير معصية الله تعالى.
ثم قال "وَلاَ تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا" وهو توجيه نبوي شريف يحث على العفة، والاعتماد على الله، وترفع النفس عن أموال الناس، فكانَ بَعْضُ أُولَئِكَ النَّفَرِ -من الصحابة - يَسْقُطُ سَوْطُهُ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا أَنْ يُنَاوِلَهُ إِيَّاهُ، حتى يعمل بهذا الحديث.
*******************
1643 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ (1) حَدَّثَنَا أَبِى (2) حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (3) عَنْ عَاصِمٍ (4) عَنْ أَبِى الْعَالِيَةِ (5) عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ وَكَانَ ثَوْبَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ تَكَفَّلَ لِى أَنْ لاَ يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا وَأَتَكَفَّلَ لَهُ بِالْجَنَّةِ». فَقَالَ ثَوْبَانُ أَنَا. فَكَانَ لاَ يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه أحمد (22366)، (22374)، (22385) وابن الجعد (2776) ومعمر بن راشد في جامعه (20009) وأبو داود الطيالسي (1087) والحاكم في المستدرك (1500) وقال: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
[تراجم الإسناد]
(1) عبيد الله بن معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبرى، أبو عمرو البصرى ثقة حافظ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: ثِقَةٌ.
(2) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان، أبو المثنى العنبري البصري. قال يحيى بن معين، وأبو حاتم الرازي: ثقة.
(3) الإمام شعبة بن الحجاج. أمير المؤمنين في الحديث.
(4) عاصم الأحول، أحد الثقات.
(5) رفيع بن مهران، أبو العالية الرياحي البصري، أحد الأعلام.
[شرح الحديث]
قوله "مَنْ تَكَفَّلَ لِى أَنْ لاَ يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا وَأَتَكَفَّلَ لَهُ بِالْجَنَّةِ" أي: لَا يَلتَمِس مِنهُم حاجتَه، ويُعِفَّ نفسَه عن مَسأَلَتِهِم، في أموال أو أعمال. فكان ثَوبانُ - مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم- يقَعُ سوطُه وهو راكبٌ، فلا يقولُ لأحدٍ: ناولنيه، حتَّى ينزلَ فيَتناولَه.
*******************
29 - باب فِى الاِسْتِعْفَافِ.
1644 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ (1) عَنْ مَالِكٍ (2) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ (3) عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِىِّ (4) عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا عِنْدَهُ قَالَ «مَا يَكُونُ عِنْدِى مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أَعْطَى اللَّهُ أَحَدًا مِنْ عَطَاءٍ أَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ».
- ---------------------------------•
[درجة الحديث]: صحيح.
[تخريج الحديث]:
الحديث أخرجه البخاري حديث (1469) (6470)، ومسلم في "كتاب الزكاة"، حديث (1053)، ومالك في الموطأ ترقيم (3658)، وأحمد في مسنده (11091) (11435) (11890) والترمذي حديث (2024)، وأخرجه النسائي حديث (2380)، والدارمي (1646)، وعبد الرزاق في المصنف (20014)، وابن حبان في صحيحه (3400)، وأبو يعلى في مسنده (1352)، والطبراني في المعجم الأوسط (9046) وفي مسند الشاميين (3074).
[تراجم الإسناد]
(1) عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبى، ثقة، أوثق من روى عن مالك.
(2) الإمام مالك بن أنس شيخ الإسلام صاحب المذهب، وكاتب الموطأ وجامعه.
(3) ابن شهاب الزهري هو: مُحَمَّد بن مسلم بن شهاب الزُّهْرِيّ.
(4) عطاء بن يزيد الليثيُّ، ثم الجندعيُّ، أبو محمد المدنيُّ ثقة.
[شرح الحديث]:
(فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ): أي: لن أحبسه وأمنعكم إيَّاه.
(وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ): السين والتاء تدلاَّن على الطلب في (يَسْتَعْفِفْ، يَسْتَغْنِ)؛ أي: يطلب العفة والاستغناء، فقوله:
(يَسْتَعْفِفْ): الاستعفاف: طلب العفاف والتعفف، والثاني هو المراد في حديث الباب، وهو طلب التعفف عمَّا في أيدي الناس، فإنه إن فعل ذلك، فالنتيجة: (يُعِفَّهُ الله)؛ أي: يجازيه على استعفافه بصيانة وجهه ورفع فاقته.
(وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ): أي: يطلب الغنى ممن عنده الغني، الله - جل وعلا - (يُغْنِهِ اللهُ) فيخلق في قلبه غنى، أو يعطيه ما يستغني به عن الخَلق.
(وَمَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ): أي: من يستعمل الصبر ويحمل نفسه عليه (يُصَبِّرْهُ اللهُ): يقويه ويمكِّنه من نفسه، حتى تنقاد وتصبر وتذعن لتحمُّل الشدائد.
والصبر: هو حبس النفس عن المكروه، وعقد اللسان عن الشكوى والمكابدة في تحمله وانتظار الفرج
[ما يستفاد من الحديث]:
(1) وقوله" مَا يَكُونُ عِنْدِى مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ " قوله: "فلن أدخره" بتشديد الدال المهملة أي لن أحفظه وأجعله ذخيرة معرضا عنكم بل كل ما يكون عندي أعطيه لكم.
وفيه دلالة على سعة كرم النبي صلى الله عليه وسلم وعطائه، قال ابن القيم - رحمه الله -: "وكان العطاء والصدقة أحب شيء إليه - صلى الله عليه وسلم - وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه، وكان أجود الناس بالخير، يمينه كالريح المرسلة، وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه، تارة بطعامه، وتارة بلباسه، وكان - صلى الله عليه وسلم - يأمر بالصدقة ويحث عليها ويدعو إليها بحاله وقوله.
ولذلك كان - صلى الله عليه وسلم - أشرح الخلق صدرًا، وأطيبهم نفسًا، وأنعمهم قلبًا، فإن للصدقة وفعل المعروف تأثيرًا عجيبًا في شرح الصدر" [زاد المعاد" (2/ 22 - 23) بتصرف].
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما يَسُرُّني أنَّ لي أُحُدًا ذهبًا تأتي علي ثالثة، وعندي منه دينار إلا دينار أُرْصِدُه لدين عليَّ)) [صحيح البخاري (4/ 181) برقم (6444)، وصحيح مسلم (2/ 678) برقم (991)]. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
(2) الحديث فيه الحثُّ على خصلتين عظيمتين متلازمتين، وهما: الاستعفاف عما في أيدي الناس، والاستغناء بما عند الله تعالى.
قال الشيخ السعدي - رحمه الله -: "وتمام ذلك أن يجاهد نفسه على الأمر الثاني: وهو الاستغناء بالله، والثقة بكفايته، فإنه من يتوكَّل على الله فهو حسبه، وهذا هو المقصود، والأول وسيلة إلى هذا، فإن مَن استعفَّ عما في أيدي الناس وعما يناله منهم، أوجب له ذلك أن يقوى تعلُّقُه بالله، ورجاؤه وطمعه في فضل الله وإحسانه".
[انظر: "بهجة قلوب الأبرار وشرح الأخبار"، الحديث الثالث والثلاثون].
(3) خلق التعفف صفة مكتسبة بالتمرن والتعود والمجاهدة، لقوله صلى الله عليه وسلم:"وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ".
والله تعالى يقول: {لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} (273) سورة البقرة.
(4) قوله "وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ" يدل على أن عز المؤمن في استغنائه عن الناس وعما في أيديهم، ولحديث سهل بن سعد، قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس"؛ رواه الطبراني في الأوسط (4278)، وحسَّن إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (929).
(5): الحديث فيه دلالة على عِظَم الصبر، وهي خصلة لها علاقة بالخصلتين السابقتين؛ فالاستعفاف عما في أيدي الناس مع الحاجة، يحتاج إلى صبر، وتقدَّم أن الاستغناء بما عند الله - تعالى - يكون بعد الاستعفاف عما في أيدي الناس؛ ليقوى يقينه بربِّه - جل وعلا.
ولاشك أن الصبر المراد عام في كل أمر يحتاج إلى صبر، وإليك هذه المباحثَ اليسيرة فيه:
تعريفه:
هو مصدر "صَبَر يصبر"، وهو مأخوذ من مادة (صبر)، التي تدل من حيث اللغة على ثلاثة معانٍ:
الأول: الحبس، والثاني: أعالي الشيء، والثالث: جنس من الحجارة. [انظر: "لسان العرب"، مادة (صبر)].
وفي الاصطلاح: ذكر له أهل العلم عدةَ تعريفات - وهي متقاربة - منها ما ذكره ابن حجر - رحمه الله - وتقدم في ألفاظ الحديث، ومنها:
قيل: هو حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش.
وقيل: هو ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله إلى الله تعالى.
والله - تعالى - أثنى على أيوب - عليه السلام - بالصبر بقوله: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 44]، مع أن أيوبَ دعا برفع الضر عنه بقوله: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83].
فعُلم أن العبد إذا دعا اللهَ - تعالى - في كشْف الضر عنه، فإن هذا لا يقدح في صبره، وهناك تعريفاتٌ أخرى غير ما ذكر. [انظر: "مدارج السالكين"، لابن القيم، 1/ 162، 163].
(6): حديث الباب فيه دلالة على أن خُلق الصبر خلقٌ مكتَسب أيضًا، وذلك إذا عوَّد العبدُ نفسَه على تحمل المشاق وصبَّرها، نال العون على ذلك من الله - جل وعلا - فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ومن يصبِرْ، يصبِّره الله).
حكم الصبر:
ـ الصبر واجب، لأمر الله - عز وجل - بالصبر؛ فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]، ونهى عن ضدِّه، فقال - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} [الأحقاف: 35].
وقال ابن القيم - رحمه الله -: "وهو واجب بإجماع الأمَّة" [انظر: "المدارج" 2/ 174].
ومن أهل العلم مَن ذهب إلى التفصيل، وما أجملَ ما قاله الإمام الغزالي - رحمه الله -: "واعلم أن الصبر أيضًا ينقسم باعتبار حكمه إلى فرض ومستحبٍّ ومكروه ومحرَّم؛ فالصبر عن المحظورات فرض، والصبر على المكاره مستحب، والصبر على الأذى المحظور محظور، كمن يُقصد حريمه بشهوة محظورة، فتهيج غيرتُه، فيصبر عن إظهار الغيرة ويسكت عما يجري على أهله، فهذا الصبر محرَّم" [انظر: "الإحياء" 4/ 69].
فالصبر على أداء الطاعات، هذا صبرٌ واجب، والصبر على المستحبات مستحب، كالصبر على مقابلة السيئة بمثلها، فالله - عز وجل - أجاز لمن عوقب بسيئة أن يعاقِب بمثلها؛ لكن العفو - وسماه صبرًا - خيرٌ منه، فهذا صبر مستحب؛ قال - تعالى -: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126].
أنواع الصبر:
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:
والصبر ثلاثة أقسام:
صبر على طاعة الله.
وصبر عن محارم الله.
وصبر على أقدار الله التي يجريها إما مما لا كسب للعباد فيه، وإما مما يجريه الله على أيدي بعض العباد من الإيذاء والاعتداء.
فالصبر على طاعة الله أن يحبس الإنسان نفسه على العبادة، ويؤديها كما أمره تعالى، وأن لا يتضجر منها، أو يتهاون بها، أو يدعها، فإن ذلك عنوان هلاكه وشقائه، ومتى علم العبد ما في القيام بطاعة الله من الثواب هان عليه أداؤها وفعلها، فالحسنة ولله الحمد إذا أخلص الإنسان فيها لله، واتبع رسول الله كانت بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والله يضاعف لمن يشاء، وفضل الله ليس له حد، ولا انحصار، وأما الصبر عن معصية الله، فأن يحبس الإنسان نفسه عن الوقوع فيما حرم الله عليه مما يتعلق بحق الله، أو حقوق عباده، ومتى علم ما في الوقوع في المحرم من العقاب الدنيوي والأخروي والاجتماعي والفردي، وأن ذلك مما يضر بدينه، ويضر بعاقبة أمره بل، ويضر بمجتمعه، فإن الذنوب عقوباتها في الدنيا قد تعم، ويبعث الناس على أعمالهم ونياتهم متى علم العاقل ما يقع من جراء الذنوب أوجب ذلك أن يدعها؛ خوفاً من علام الغيوب، وأما الصبر على أقدار الله، فمعناه أن يستسلم الإنسان لما يقع عليه من البلاء والهموم والأسقام، وأن لا يقابل ذلك بالتسخط، والتضجر، وفعل الجاهلية المنكر في الإسلام، وأن يعلم أن هذا البلاء لنزوله أسباب وحكم لا يعلمها إلا الله، وأن يعلم أن لدفعه، ولرفعه أسباباً من أعظمها لجوؤه ودعاؤه وتضرعه إلى مولاه، فهذه الأمراض التي أرسلها الله تعالى على عباده إنما هي رحمة بهم ليرجعوا إليه، وليعرفوا أنه هو المتصرف بعباده كما يشاء، فلا اعتراض عليه له الملك، وله الحمد، وله الخلق، وله الأمر، وبيده الخير، وهو على كل شيء قدير، ومع هذا فتلك الأمراض لم يحصل فيها، ولله الحمد نقص في النفوس ولا هلاك، وإنما هي أمراض يسيرة خفيفة قدرها المولى ولطف بعباده، فلله الحمد رب السماوات والأرض، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}. {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. بارك الله لي ولكم .... الخ.
ـ فضل الصبر:
1 - أن الله - تعالى - جعل الإمامة في الدين منوطةً بالصبر واليقين؛ قال - تعالى -: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24].
2 - أن الله أخبر أن الخير في الصبر مؤكِّدًا ذلك باليمين؛ قال - تعالى -: {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126]. ومن أعظم الخير فيه أن أجْره لا يُقدَّر ولا يحدَّد؛ قال - سبحانه -: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].
3 - وأخبر الله - جل وعلا - أنه يحب الصابرين؛ قال - تعالى -: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146].
4 - وأخبر أنه معهم، فبالصبر ينال العبدُ معيَّةَ الله تعالى؛ قال تعالى: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46].
5 - وعلَّق الله - تعالى - الفلاح على الصبر والتقوى؛ فقال - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200].
6 - وأعطى الصابرين عند المصيبة ثلاثَ بشائرَ، كلُّ واحدة منها عظيمة بذاتها؛ فقال - تعالى -: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157].
7 - وأخبر أنه بالصبر والتقوى معهما لا يضر كيدُ العدو وتسليطه؛ فقال - تعالى -: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120].
8 - وأخبر أن الفوز بالجنة، والنجاة من النار إنما تنال بالصبر؛ فقال - تعالى -: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} [المؤمنون: 111].
9 - وأن تدبُّر آياته والانتفاع بها خصَّ به أهل الصبر والشكر؛ فقال - تعالى -: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: 5].
10 - وأخبر أن الصبر من أعالي الأمور وأعظمها؛ فقال - تعالى -: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186].
وقال حكاية عن لقمان: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17].
وهذا مما ورد من فضائل الصبر في القرآن، وهي كثيرة جدًّا، وتقدم قول شيخ الإسلام - رحمه الله - بورود الصبر في القرآن في أكثر من تسعين موضعًا، وامتدح الله - تعالى - الصبر في كثير من المواطن.
وورد في السنة فضائل كثيرة، منها:
11 - فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الصبر ضياءٌ؛ ففي "صحيح مسلم" من حديث أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((الصبر ضياء)).
12 - وأخبر أنه من ابتُلي بذَهاب عينيه فصبر فإن فله الجنة؛ ففي "صحيح البخاري" من حديث أنس - رضي الله عنه - قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله - عز وجل - قال: إذا ابتَليتُ عبدي بحبيبتيه فصبر، عوضتُه منهما الجنة))؛ يريد: عينيه.
14 - وكذلك من صبر على ذهاب حبيبه من قريبٍ أو صديق، فله الجنة؛ ففي "صحيح البخاري" من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يقول الله - تعالى -: ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضتُ صفيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه، إلا الجنةُ)).
15 - وأخبر - صلى الله عليه وسلم - أنه من صبَر على شدة المدينة، نال الشهادة أوالشفاعة له منه - صلى الله عليه وسلم - ففي "صحيح مسلم" من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من صبر على لأْوائها وشدَّتها، كنتُ له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة))؛ يعني: المدينةَ.
16 - وأخبر أن من علامات الخيريَّة للعبد أن يصيبه، ولا شك أن العبد بالصبر ينال الفضل الكامل على المصيبة؛ ففي "صحيح البخاري" من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من يُرِدِ الله به خيرًا، يُصِبْ منه)).
وكذلك ينال بذلك تكفير السيئات، ولو صغرت المصيبةُ؛ ففي الصحيحين من حديث عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما من مصيبةٍ تصيب المؤمنَ، إلا كفَّر الله بها عنه، حتى الشوكة يُشاكُها)).
17 - وأن الصبر في آخر الزمان مضاعَفٌ أجرُه وثوابه، حتى إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن من ورائكم أيامَ الصبر، الصبر فيه مثل قبضٍ على الجمر، للعامل فيهم مثلُ أجر خمسين رجلاً يعملون مثلَه))، قال: يا رسول الله، أجر خمسين منهم؟ قال: ((أجر خمسين منكم))؛ أي: من الصحابة - رضوان الله عليهم - والحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي ثعلبة الخشني - رضي الله عنه.
18 - وأخبر أن النصر قرينُ الصبر ومعه، ففي "مسند الإمام أحمد" و"سنن الترمذي" من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا))؛ قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
19 - وأخبر أن الصبر مع مخالطة الناس والصبر على أذاهم، أعظمُ أجرًا ممن لم يكن كذلك؛ ففي "سنن الترمذي" وابن ماجه و"مسند أحمد" من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((المؤمن الذي يخالط الناسَ ويصبر على أذاهم، أعظمُ أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)).
20 - وأخبر أن المؤمن بصبره على الضراء يحوِّل ما يصيبه في دنياه إلى خيرٍ يستفيد منه؛ ففي "صحيح مسلم" من حديث صهيب - رضي الله عنه -: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كلَّه خيرٌ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْه سراءُ شكَرَ، فكان خيرًا له، وإن أصابتْه ضراءُ صبَرَ، فكان خيرًا له)).
وهذه عشرُ فضائلَ مما ورد في السنة، فتتامّت عشرين ثمرة وفضيلة من الكتاب والسنة، ولا أدَّعي حصرها؛ بل هو شيء يسير في فضل هذه العبادة العظيمة، عبادة الصبر، ومما أسعفني فيه بحثي المتواضع على عجالة من أمري، وما ذاك إلا لتدرك - أخي المبارك - طرفًا من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -في حديث الباب: ((وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ))، وإلا فعند التأمل في هذه العبادة، تظهر لك ثمراتٌ وفضائلُ، وأسرار ونوائل، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
أعظم الصبر فضلاً وأجرًا عند أول المصيبة:
ففي الصحيحين من حديث أنس - رضي الله عنه - قال: مرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بامرأةٍ تبكي عند قبر، فقال: ((اتقي الله واصبري))، قالت: إليك عني؛ فإنك لم تُصبْ بمصيبتي - ولم تعرِفْه - فقيل لها: إنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فلم تجد عنده بوابين، فقالتْ: لم أعرِفْك، فقال رسول الله: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى))، وسيأتي الكلام على هذا الحديث في بابه - بإذن الله تعالى.
البكاء ودمع العين لا ينافي الصبر:
بل البكاء إذا كان رحمةً، فهو مستحب؛ لأنه هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدل على ذلك: ما جاء في الصحيحين من حديث أنس - رضي الله عنه - لما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - على ابنه إبراهيم وهو في سكرات الموت وعيناه تذرفان، قال أنس: فقال عبدالرحمن بن عوف: وأنت رسول الله! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن العين لتدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربَّنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون)).
وأيضًا ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - حينما عاد النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - سعدَ بن عبادة - رضي الله عنه - وكان مريضًا، بكى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما رأى أصحابُه بكاءه بكَوا، فقال: ((ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذِّب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذِّب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم)).
وفي الصحيحين أيضًا من حديث أسامة - رضي الله عنه - حين بكى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لخروج روح ابن ابنته، قال له سعد - رضي الله عنه -: "ما هذا يا رسول الله؟! "، فقال: ((هذه رحمة جعلها الله في قلوب عبادة، وإنما يرحم اللهُ من عباده الرحماءَ)).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "لكن البكاء على الميت على وجْه الرحمة مستحبٌّ، وذلك لا ينافي الرضا"؛ [انظر: "مجموع الفتاوى" (10/ 479)].
وأما إذا صاحَبَ البكاءَ تسخطٌ وتبرُّم من القضاء، أو نوح وصياح، أو خمش للوجوه، ونحو ذلك من الأفعال أو الأقوال المحرَّمة، فهذا بكاء ممنوع محرَّم، يأثم عليه صاحبُه.
هل الشكوى إلى الناس ما يجد من الألم ينافي الصبر؟
الصواب أنه لا ينافي الصبرَ، إن كان راضيًا بقضاء الله وقدَرِه، غير ساخط ولا جازع، ويدل على ذلك ما جاء في "صحيح البخاري" من حديث عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: "وا رأساه! " فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لو كان وأنا حي (أي: لو متِّ وأنا حي) فأستغفر لكِ وأدعو لكِ))، فقالت عائشة: وا ثكلياه! والله إني لأظنك تحب موتي، ولو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسًا ببعض أزواجك، فقال النبي: ((بل أنا وا رأساه!)) الحديث، وسيأتي الكلام عليه في بابه - بإذن الله تعالى.
قال ابن حجر - رحمه الله -: "وأما مجرد التشكي، فليس مذمومًا، حتى يحصل السخط للمقدور"؛ [انظر: كتاب المرضى، باب ما رخص للمريض أن يقول: إني وجع، أو وا رأساه ... ].
ولا شك أن الأفضل للمصاب أن يشتغل بذِكر الله وحمده والثناء عليه، فهذا خيرٌ له من الشكوى، وربما احتسابه لذلك وإخفاء صبره على المصيبة عن الناس أفضلُ، وهذا هو الصبر الجميل، وهو الأكمل والأفضل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "ذكر الله - تعالى - في كتابه الصبرَ الجميل، والصفحَ الجميل، والهجرَ الجميل، والصبرُ الجميل: هو الذي لا شكوى فيه ولا معه، والصفحُ الجميل: هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل: هو الذي لا أذى معه" [انظر: "مدارج السالكين" 2/ 167].
وماذا يقول المصاب عند المصيبة؟
شاع عند الناس أنه إذا أصيب بمصيبة أن يقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، وليس هذا هو الهدي النبوي عند ذلك؛ بل السُّنة أن يقول ما أثنى الله به على عباده المؤمنين، حيث قال: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156].
وما جاء في السنة من حديث أم سلمة - رضي الله عنها - أنها سمعتْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ما من مسلمٍ تصيبه مصيبةٌ، فيقول ما أمره الله: "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها"، إلا خلف الله له خيرًا منها".
*********************
1645 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (1) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ (2) ح حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ أَبُو مَرْوَانَ (3) حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ (4) - وَهَذَا حَدِيثُهُ - عَنْ بَشِيرِ بْنِ سَلْمَانَ (5) عَنْ سَيَّارٍ أَبِى حَمْزَةَ (6) عَنْ طَارِقٍ (7) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ أَوْشَكَ اللَّهُ لَهُ بِالْغِنَى إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ أَوْ غِنًى عَاجِلٍ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه الترمذي (2326)، وأحمد (3696).
[تراجم الإسناد]
(1) مسدد بن مسرهد ثقة.
(2) عَبْدُ اللهِ بنُ دَاوُدَ بنِ عَامِرِ بنِ رَبِيْعٍ (روى له البخاري والأربعة)، الإِمَامُ، الحَافِظُ، القُدْوَةُ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الهَمْدَانِيُّ، ثُمَّ الشَّعْبِيُّ، الكُوْفِيُّ، ثُمَّ البَصْرِيُّ، المَشْهُوْرُ بِالخُرَيْبِيِّ؛ لِنُزُولِهِ مَحَلَّةَ الخُرَيْبَةِ بِالبَصْرَةِ. من سير أعلام النبلاء (17/ 359).
قال ابن حجر في التقريب (2/ 412): أبو عبد الرحمن الخُرَيبي بمعجمة وموحدة مصغرا، كوفي الأصل، ثقةٌ عابد، من التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة، وله سبع وثمانون سنة، أمسك عن الرواية قبل موته، فلذلك لم يسمع منه البخاري.
(3) عَبد المَلِك بن حبيب المصيصي، أبو مروان البزار. قَال ابن حجر في "التقريب"مقبول.
(4) عبد الله بن المبارك الإمام الكبير.
(5) بشير بن سلمان الكندي، أبو إسماعيل الكوفي. قال أبو داود: لا بأس به. وقال الدارقطني: لا بأس به.
وعَنْ يحيى بْن مَعِين، والعجلي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث.
(6) سَيَّارٌ، أَبُو حَمْزَةَ الْكُوفِيّ، وثقه ابن حبان.
(7) طَارِقُ بنُ شِهَابِ بنِ عَبْدِ شَمْسٍ بنِ سَلَمَةَ الأَحْمَسِيُّ رأى النبي صلى الله عليه وسلم وَرَوَى عَنْ: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَبِلاَلٍ، وَخَالِدِ بنِ الوَلِيْدِ، وَابْنِ مَسْعُوْدٍ، وَعَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعِدَّةٍ.
[شرح الحديث]:
"مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ"، أي: حاجَةٌ شديدَةٌ؛ أو فقر وضيق في العيش، "فأنزَلَها بالنَّاسِ"، أي: طلَب مِن النَّاسِ ما يرفَعُ عنه حاجَتَه، كان عِقابُه "لَم تُسدَّ فاقَتُه"، أي: لَم تُرفَعْ عنه تلك الحاجَةُ؛ فقد سأَل واعتمَد على مَن لا يملِكُ له نفْعًا ولا ضَرًّا، "ومَن نزَلتْ به فاقَةٌ"، "فأنزَلَها باللهِ"، أي: سأَل اللهَ أنْ يرفَعَها، واعتمَد عليه، وظنَّ ألَّا يفعَلَ ذلك إلَّا اللهُ، "أَوْشَكَ اللَّهُ لَهُ بِالْغِنَى إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ أَوْ غِنًى عَاجِلٍ"، أي: يَقترِبُ له الفرَجُ مِن اللهِ بأنْ يَرزُقَه ما يسُدُّ به حاجَتَه في الدنيا أو يدخر ذلك له في الآخرة رفعة في الدرجات، ومصداقه قوله تعالى {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}.
قَوْلِهِ "إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ" قِيلَ بِمَوْتِ قَرِيبٍ لَهُ غَنِيٍّ فَيَرِثُهُ أو بموت الشخص نفسه فينتهي فقره وفاقته.
وفي الحديث: إذا سألت فأسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك "الحديث" رواه الترمذي عن ابن عباس مرفوعًا وقال حسن صحيح. وقال الله تعالى {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ}، وفيه الدعوة إلى حسن التوكل على الله، وحسن الظن بالله، قال تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَاهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} (النمل:62).
***************
1646 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (1) حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ (2) عَنْ جَعْفَرِ بنِ رَبِيعَةَ (3) عَنْ بَكْرِ بنِ سَوَادَةَ (4) عَنْ مُسْلِمِ بنِ مَخْشِىٍّ (5) عَنِ ابْنِ الْفِرَاسِىِّ (6) أَنَّ الْفِرَاسِىَّ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَسْأَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- «لاَ وَإِنْ كُنْتَ سَائِلاً لاَ بُدَّ فَاسْأَلِ الصَّالِحِينَ».
- ---------------------------------•
ضعيف:
أخرجه النسائي (2587) وأحمد (18945) وابن زنجويه في الأموال (2067) وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (5676) والبيهقي في الكبرى (7877) وهذا إسناده ضعيف لجهالة ابن الفراسي.
[تراجم الإسناد]
(1) قُتَيْبَةُ أَبُو رَجَاءَ بنُ سَعِيْدِ بنِ جَمِيْلٍ الثَّقَفِيُّ مَوْلاَهُمْ، وَقَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، ثِقَةٌ. وَكَذَا قَالَ النَّسَائِيُّ، وَزَادَ: صَدُوْقٌ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: ثِقَةٌ. وَقَالَ ابْنُ خِرَاشٍ: صَدُوْقٌ.
(2) الليث بن سعد المصري. أحد الثقات الأعلام.
(3) جعفر بن ربيعة بن الأمير شرحبيل بن حسنة، أبو شرحبيل، الكندي. وثقه ابن سعد، والنسائي.
(4) بَكْرُ بنُ سَوَادَةَ أَبُو ثُمَامَةَ الجُذَامِيُّ المِصْرِيُّ. وَثَّقَهُ: ابن معين و النَّسَائِيُّ، وَاحْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ، وَاسْتَشْهَدَ بِهِ البُخَارِيُّ. وَقَال أَبُو حَاتِم: لا بأس به.
(5) مسلم بن مخشي المدلجي أبو معاوية المصري. عن ابن عباس الفراسي، وعنه بكر بن سوادة. وثقه ابن حبان.
(6) ابن عباس الفراسي، ذكره السيوطي في "حسن المحاضرة " في ترجمة مسلم بن مخشي.
[شرح الحديث]
قوله " أَسْأَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ" قال الطِّيبِيُّ: بِحَذْفِ حَرْف الِاسْتِفْهَام (فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا): أَيْ لَا تَسْأَلْ النَّاس شَيْئًا مِنْ الْمَال وَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّه فِي كُلّ حَال (وَإِنْ كُنْت سَائِلًا لَا بُدّ): أَيْ لَك مِنْهُ وَلَا غِنَى لَك عَنْهُ (فَسَلْ الصَّالِحِينَ): أَيْ الْقَادِرِينَ عَلَى قَضَاء الْحَاجَة , أَوْ أَخْيَار النَّاس لِأَنَّهُمْ لَا يَحْرِمُونَ السَّائِلِينَ وَيُعْطُونَ مَا يُعْطُونَ عَنْ طِيب نَفْس لِأَنَّ الصَّالِح لَا يُعْطِي إِلَّا مِنْ الْحَلَال وَلَا يَكُون إِلَّا كَرِيمًا وَرَحِيمًا وَلَا يَهْتِك الْعِرْض وَلِأَنَّهُ يَدْعُو لَك فَيُسْتَجَاب.
********************
1647 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ (1) حَدَّثَنَا اللَّيْثُ (2) عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ (3) عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ (4) عَنِ ابْنِ السَّاعِدِىِّ قَالَ اسْتَعْمَلَنِى عُمَرُ - رضى الله عنه - عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا وَأَدَّيْتُهَا إِلَيْهِ أَمَرَ لِى بِعُمَالَةٍ فَقُلْتُ إِنَّمَا عَمِلْتُ لِلَّهِ وَأَجْرِى عَلَى اللَّهِ. قَالَ خُذْ مَا أُعْطِيتَ فَإِنِّى قَدْ عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَعَمَّلَنِى فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ فَقَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَهُ فَكُلْ وَتَصَدَّقْ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه مسلم (1045) والنسائي (2604) وأحمد (371) وابن خزيمة (2364) والبزار (245) وأبو عوانة في المستخرج (2616) وابن الأعرابي في المعجم (700) وابن حبان (3405).
قَالَ أَبُو بَكْرِ بن خزيمة: " ابْنُ السَّاعِدِيِّ الْمَالِكِيُّ: أَحْسِبُهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ ".
وقيل: هو عبد الله بن عمرو بن وقدان، المعروف بابن السعدي، لأنه كان مسترضعا في بني سعد.
[تراجم الإسناد]
(1) أَبُو الوَلِيْدِ الطَّيَالِسِيُّ هِشَامُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ البَاهِلِيُّ مَوْلاَهُمْ، البَصْرِيُّ، الطَّيَالِسِيُّ، قال أبو حاتم: ثِقَةٌ، حَافِظٌ، وقال ابن سعد: كان ثقة حجة ثبتا. وقال أحمد بن حنبل: متقن، ووثقه العجلي.
(2) الليث بن سعد المصري.
(3) بُكَيْرَ بنَ عَبْدِ اللهِ بنِ الأَشَجِّ القُرَشِيُّ، المَدَنِيُّ، ثُمَّ المِصْرِيُّ، مَوْلَى بَنِي مَخْزُوْمٍ، أَحَدُ الأَعْلاَمِ، قَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: ثِقَةٌ، صَالِحٌ. وَقَالَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، وَغَيْرُهُ: ثِقَةٌ. وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ العِجْلِيُّ: ثِقَةٌ، مَدَنِيٌّ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: ثِقَةٌ، ثَبْتٌ.
(4) بسر بن سعيد الإمام القدوة المدني، مولى بني الحضرمي. وثقه يحيى بن معين، والنسائي.
[شرح الحديث]
الْعُمَالَةُ بِالضَّمِّ: رِزْقُ الْعَامِلِ عَلَى عَمَلِهِ.
وقوله "إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَهُ فَكُلْ وَتَصَدَّقْ" أي أن جاءك المال بغير طلب وسؤال فخذه وكل منه وتصدق.
قال الشوكاني في نيل الاوطار (4/ 195): قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا حَصَلَ مِنْ الْمَالِ عَنْ مَسْأَلَةٍ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَمَلَ السَّاعِي سَبَبٌ لِاسْتِحْقَاقِهِ الْأُجْرَةَ كَمَا أَنَّ وَصْفَ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ هُوَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ الْعَمَلُ هُوَ السَّبَبَ اقْتَضَى قِيَاسُ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ أَنَّ الْمَأْخُوذَ فِي مُقَابِلَتِهِ أُجْرَةٌ، وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ تَبَعًا لَهُ: إنَّهُ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ نَوَى التَّبَرُّعَ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نَصِيبَ الْعَامِلِ يَطِيبُ لَهُ وَإِنْ نَوَى التَّبَرُّعَ أَوْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا اهـ ..
*****************
1648 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ (1) عَنْ مَالِكٍ (2) عَنْ نَافِعٍ (3) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ مِنْهَا وَالْمَسْأَلَةَ «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ». قَالَ أَبُو دَاوُدَ اخْتُلِفَ عَلَى أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ فِى هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ «الْيَدُ الْعُلْيَا الْمُتَعَفِّفَةُ».
وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ «الْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ». وَقَالَ وَاحِدٌ عَنْ حَمَّادٍ «الْمُتَعَفِّفَةُ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه مالك (2/ 998) والبخاري (1429) ومسلم (1033) والنسائي (2533) وأحمد (5344) والدارمي (1692).
[تراجم الإسناد]
(1) الإمام القعنبي، عبد الله بن مسلمة.
(2) مالك بن أنس بن مالك بن أبى عامر بن عمرو الأصبحى الحميرى، أبو عبد الله المدنى الفقيه (إمام دار الهجرة) من كبار أتباع التابعين، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين حتى قال البخارى: أصح الأسانيد كلها: مالك عن نافع عن ابن عمر، ولد: 93 هـ، وتوفي: 179 هـ، وله الموطأ وأسانيده عالية.
(3) نافع المدني مولى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أحد الأعلام الثقات.
[شرح الحديث]
قوله "الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ" قال ابن بطال في شرح البخاري (3/ 431): فيه ندب إلى التعفف عن المسألة، وحض على معالى الأمور، وترك دنيئها، والله يحب معالى الأمور، وفيه: حض على الصدقة أيضًا. لأن العليا يد المتصدق، والسفلى يد السائل، والمعطِى مفضل على المعطَى، والمفضَّل خير من المفضَّل عليه، ولم يُرِدْ (صلى الله عليه وسلم) أن المفضَّل فى الدنيا خير فى الدين، وإنما أراد فى الإفضال والإعطاء. قال الخطابى: وتفسيره فى هذا الحديث: اليد العليا المنفقة، والسفلى السائلة تفسير حسن. [انتهى]
************************
1649 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ التَّيْمِىُّ (1) حَدَّثَنِى أَبُو الزَّعْرَاءِ (2) عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ (3) عَنْ أَبِيهِ مَالِكِ بْنِ نَضْلَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «الأَيْدِى ثَلاَثَةٌ فَيَدُ اللَّهِ الْعُلْيَا وَيَدُ الْمُعْطِى الَّتِى تَلِيهَا وَيَدُ السَّائِلِ السُّفْلَى فَأَعْطِ الْفَضْلَ وَلاَ تَعْجِزْ عَنْ نَفْسِكَ».
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه أحمد (15890)، (17232) وابن خزيمة في الصحيح (2440) وابن الأعرابي في المعجم (1333) وابن حبان (3362) والحاكم في المستدرك (1483) وقال: حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
[تراجم الإسناد]
(1) عَبِيدَةُ بنُ حُمَيْدٍ التَّيْمِىُّ، قال فيه يحيى بن معين: لم يكن به بأس. وقال زكريا الساجي: ليس بالقوي، هو من أهل الصدق. كان أحمد بن حنبل يقول: هو قليل السقط، وأما التصحيف، فليس تجده عنده، ورفع أمره جدا. وقال النسائي وغيره: ليس به بأس. وضعفه علي بن المديني.
(2) عَمْرو بن عَمْرو، ويُقال: ابن عَامِر ابن مالك بن نضلة الجشمي، أبوالزعراء الكوفي، قال فيه يحيى بن مَعِين: ثقة. وَقَال أَبُو حاتم: صدوق. وذكره ابنُ حِبَّان في كتاب "الثقات ".
(3) عوف بن مالك بن نضلة الأشجعى الجشمى، أبو الأحوص الكوفى.
[شرح الحديث]
قوله "الأَيْدِى ثَلاَثَةٌ فَيَدُ اللَّهِ الْعُلْيَا " قال تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} وهو الْمُعطِي والرَّزَّاقُ، "وَيَدُ الْمُعْطِى الَّتِى تَلِيهَا" أي يد المتصدق، وَيَدُ الْمُعْطَى (السائل) أَسْفَلُ الْأَيْدِي.
"فَأَعْطِ الْفَضْلَ وَلاَ تَعْجِزْ عَنْ نَفْسِكَ" أي: أَنفِقْ ما زَادَ على حاجَتِكَ صدقة "ولا تَعجِزْ عن نَفسِكَ"، أي: ولا تُنفِقْ إنفاقًا يَجعَلُك تَعجِزُ فِي الإنفاقِ على نفسِك بَعْدَ ذَلِكَ ويُلْجِئُكَ لسُؤالِ النَّاسِ، وقيل: ولا تَبخَلْ فِي الإنفاقِ بادِّعاءِ العَجزِ وعدمِ القُدرَةِ على العَطاءِ، فتَمنَع نفسَك الأجْرَ.
والله الموفق
أبو عاصم البركاتي المصري الأثري