قال الإمام الترمذي رحمه الله في (العلل الكبير):
حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، أنه حدثه أن عبد الله بن الزبير حدثه أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة. الحديث.
فسألت محمدا فقال: رواه شعيب وغيره عن الزهري، عن عروة، مرسلا، ولا يذكرون فيه عبد الله بن الزبير.
قال محمد: وكأن حديث يونس عن الزهري مدرج، وكل شيء عن ابن وهب مدرج فليس بصحيح.
ما معنى (مدرج) هنا في الموضعين؟
وقد بحثت بتوفيق الله تعالى بحثا في بيان مراد البخاري وشرح كلامه هذا.
وخلاصة ذلك البحث فيما يلي:
الإمام الليث رحمه الله يروي هذا الحديث عن ابن شهاب، عن عروة، عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أن رجلا من الأنصار... الحديث. فهو في حديث الليث من مسند ابن الزبير. بينما يونس يرويه : عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير بن العوام، رضي الله عنهم. فجعله من مسند الزبير؛ لا ابن الزبير. فحديث الليث ويونس مختلفان في (صحابي الحديث).
غير أن الإمام ابن وهب روى هذا الحديث، فجمع بين روايتي شيخيه: الليث ويونس وقَرَن بينهما، فقال: عن يونس بن يزيد والليث بن سعد، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير بن العوام. فحمَل رواية الليث على رواية يونس ودمج بينهما، فوقع الخطأ في سرد حديث الليث، فالليث لا يجعله من مسند الزبير رضي الله عنه.
قال الإمام ابن أبي حاتم في "العلل" 3/ 680 ت الحميد:
"سمعت أبي وذكر حديثا رواه ابن وهب، عن يونس بن يزيد والليث بن سعد، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير بن العوام: أنه خاصم رجلا من الأنصار...
فسمعت أبي يقول: أخطأ ابن وهب في هذا الحديث؛ الليث لا يقول: عن الزبير.
قال أبو محمد: إنما يقول الليث : عن الزهري، عن عروة؛ أن عبد الله بن الزبير حدثه: أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير..".
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في «فتح الباري» 5/ 35 ط السلفية:
"قوله: (عن عبد الله بن الزبير أنه حدثه أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير) هذا هو المشهور من رواية الليث بن سعد، عن ابن شهاب، وقد رواه ابن وهب، عن الليث، ويونس جميعا عن ابن شهاب أن عروة حدثه عن أخيه عبد الله بن الزبير، عن الزبير بن العوام أخرجه النسائي، وابن الجارود، والإسماعيلي. وكأن ابن وهب حمل رواية الليث على رواية يونس، وإلا فرواية الليث ليس فيها ذكر الزبير والله أعلم".
فقول البخاري: (وكأن حديث يونس عن الزهري مدرج) يعني به: أن رواية ابن وهب التي قرن فيها بين حديثي يونس والليث، فيها إدراج، أُدرِج فيها حديث يونس في حديث الليث.
وأما قوله: (وكل شيء عن ابن وهب مدرج فليس بصحيح). فلا شك أنه ليس مراده منه أن: كل ما رواه ابن وهب مقرونا فليس بصحيح –هكذا بهذا التعميم، إذ هو يخالف الواقع الحديثي، كما يخالف صنيع الإمام البخاري نفسه، إذ ساق جملة من روايات ابن وهب المقرونة في صحيحه، تنظر الأحاديث التي بهذه الأرقام: 2462، 2559، 3928 ، 4515 .
قال العلامة الجزائري رحمه الله في (توجيه النظر إلى أصول الأثر) 2/ 710:
(وأما ما عيب به البخاري فليس بعيب عند الجمهور الذي يجيز الرواية بالمعنى. هذا عبد الله بن وهب لم يتأخر البخاري ولا غيره من الأئمة عن التخريج له، مع كونه كان يفعل ذلك. وأما حماد، فإن البخاري لم يترك الاحتجاج به لكونه كان يفعل ذلك بل لكونه قد ساء حفظه، ولذا لم يخرج له في الأصول، واقتصر مسلم فيما قاله الحاكم على روايته عن ثابت، مع أنه كان من الأئمة الأثبات الموصوفين بأنهم بلغوا درجة الأبدال، فتفريق البخاري بينه وبين ابن وهب إنما يرجع لما يتعلق بالإتقان والحفظ؛ فإن ابن وهب كان أشد إتقانا لما يرويه وأحفظ). اهـ.
فيبدو أن مراد الإمام البخاري: كل ما رواه ابن وهب مقرونا – أو روي عنه كذلك – وثبت فيه الإدراج وحمل رواية على أخرى، فليس بصحيح.
ولكن يأتي السؤال هنا: ما وجه تخصيص رواية ابن وهب بذلك؟ فكل راو قرن بين الحديثين ولفَّق بينهما، وثبت بالدليل أنه وقع منه الخلط بين الأحاديث المتعددة، وحملُ حديثٍ على حديث، فليس بصحيح.
فالجواب أن الإمام ابن وهب – مع جلالته – كان كثيرا ما يجمع بين الروايات، ويقع في رواياته المقرونة – رغم إتقانه وحفظه – بعض الأخطاء، (وقد سقت نصوصا ونماذج بهذا الصدد في البحث). ويحتمل أن يكون كثير من تلك الأخطاء من قِبَلِ الرواة عنه، فقد قال الإمام أحمد رحمه الله:
((ابن وهب صحيح الحديث عن مشايخه الذين روى عنهم، يفصل السماع من العرض، والحديث من الحديث، ما أصح حديثه وأعرفه بالأسامي! الا أن الذين حملوا عنه لم يضبطوا، إلا هارون بن معروف)) (ترتيب المدارك 3/ 231).
فأراد الإمام البخاري التنبيه إلى ذلك على وجه الخصوص، وطلب التنبُّهَ والحيطة فيه، فعبر عنه بمثل هذه العبارة العامة، والله تعالى أعلم.