د.أحمد دلف عبدالفتاح:
انتقائية في قراءة الحديث النبوي الشريف
الحمد لله رب العالمين وافضل الصلاة واتم التسليم على المبعوث رحمة للعالمين وعلى اله وصحبه اجمعين …
يتطرق هذا المقال الى طرح مسالة علمية منهجية مهمة في فهم الحديث النبوي , قراءة وفهما , فقد سلك الائمة الاوائل رحمهم الله تعالى مسلكاً رصيناً في فهمهم للسنة النبوية فذهبت عن ابصارهم الاشكالات التي تعترض العقل البشري القاصر .
والتفقه بالسنة النبوية اليوم لاينتظم بعضه وفق المنهج العلمي الواضح مما ادى الى وجود انتقائية مجتزأة افضت الى الاخطاء المستبطة والحيد عن فهم حديث النبي في الهدي والبيان.
تمهيد “
ان لحسن فهم السنة النبوية المطهرة باب لسداد العلم والعمل , وانما يصل العالم والباحث الى مراد الله تعالى ومراد رسوله حين يستقيم فهمه لدلائل الكتاب والسنة , والواجب على اهل العلم هو ترسيخ منهج الفهم الصحيح للسنة النبوية وبيان القواعد الفقهية لها , مع اظهار طرق الاستنباط السليم منها مع تحرير ابرز القواعد لفهمها , فقد كتب امير المؤمنين عمر الى ابي موسى الاشعري رضي الله عنهما : ثُمَّ الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا أُدْلِيَ إِلَيْكَ , مِمَّا لَيْسَ فِي قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ , ثُمَّ قَايِسِ الْأُمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ , وَاعْرِفِ الْأَمْثَالَ وَالْأَشْبَاهَ , ثُمَّ اعْمِدْ إِلَى أَحَبِّهَا إِلَى اللهِ فِيمَا تَرَى . واما ابن القيم رحمه الله تعالى فقد عد حسن الفهم عن الله تعالى وعن رسوله من عظيم النعم, فهو اصل كل استقامة والهداية في الغلم والعمل فقال : صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نِعم اللَّه التي أنعم بها على عبده، بل ما أُعطيَ عبدٌ عطاءً بعد الإسلام أفضل ولا أجلَّ منهما، بل هما ساقا الإسلام، وقيامُه عليهما .
واما سوء الفهم عن الله تعالى هو باب كل انحراف وضلالة : أَن يفهم عَن الرَّسُول مُرَاد من غير غلو وَلَا تَقْصِير فَلَا يحمل كَلَامه مَالا يحْتَملهُ وَلَا يقصر بِهِ عَن مُرَاده وَمَا قَصده من الْهدى وَالْبَيَان قد حصل بإهمال ذَلِك والعدول عَنهُ من الضلال والعدول عَن الصَّوَاب وَمَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله بل سوء الْفَهم عَن الله وَرَسُوله أصل كل بِدعَة وضلالة نشأت فِي الْإِسْلَام بل هُوَ أصل كل خطأ فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وَلَا سِيمَا إِن أضيف إِلَيْهِ سوء الْقَصْد فيتفق سوء الْفَهم فِي بعض الْأَشْيَاء من الْمَتْبُوع مَعَ حسن قَصده وَسُوء الْقَصْد من التَّابِع فيا محنة الدّين وَأَهله وَالله الْمُسْتَعَان .
- الاجتزاء في فهم الحديث النبوي
ان لكتاب الله تعالى وسنة نبيه وحدة موضوعية , فهما مشكاة واحدة وهذا مما اتفق عليه اهل العلم سلفاً وخلفاً ولا يمكن فهم النصوص واستيعاب الاحكام الا بتتبع النصوص في الباب الواحد ثم رد خاصها على عامها والمفسر على المجمل والمقيد على المطلق فهناك تتضح الاحكام وتظهر المعاني والقصد , وان اي خلل بذلك فبلا شك سيؤدي الى الفهم الانتقائي والمجتزأ وينتج عنه قراءة قاصرة لأحكام هذا الدين.
والاجتزاء:هو القول بوقوع التناقض بينهما , او بينها وبين القواعد الشرعية والحقيقة العلمية , مما ينجر الى الطعن في الحديث النبوي او في سلامة منهج المحدثين النقدي .
وعند البحث عن مصدر الانتقائية والتجزأة نجد ان لها جذور تاريخية تمتد الى القرون الاولى عند سيادة المذاهب الفقهية مما دفعهم لتحشيد الادلة لنصرة المذهب , فقد ذكر الامام وكيع بن الجراح فقال : من طلب الحديث كما هو فهو صاحب سنة، ومن طلب الحديث ليقوى هواه فهو صاحب بدعة .
واما في العصر الحاضر فقد سلكها المستشرقون في بحثهم في السنة النبوية وممن تأثر بكتاباتهم العصرانيين واهل الحداثة , فلا تجدهم يطرقون مسألة من مسائل السنة النبوية الا ويدرسونها من جانب واحد متجاهلين اصول البحث والاستنباط فهم يخدمون احتياجاتهم الدخيلة بالأخذ بالانتقائية . - اسباب القراءة الانتقائية المجتزأة
هناك عدة اسباب لهذا النوع من القراءة وابرزها ثلاث : الجهل بالصناعة الحديثية والفقهية وهذا مما يقع به المتسرعين او من اهل الثقافة العامة الذين يخوضون في كل القضايا , والسبب الثاني : هو التباع الهوى والعصبية , وثالثا: الاعراض عن فهم السلف الصالح .
فالسبب الاول : ان قضايا الدين والتطرق الى المسائل الشرعية من الفكر الاسلامي وغيره مما يستهوي الكثير من الباحثين والكتاب واهل الادب وكلُ يريد ان تكون له بصمة في قضية من القضايا , وهؤلاء على فريقين : منهم يريد ان يكتب اعتزازاً بهويته الاسلامية وغيرةً على دينه لكنه فقد الاهلية والالمام بالعلوم الاسلامية واصولها , وخاصة ما تعلق بالسنة النبوية فيقع في الخطأ مما لا يشعر به , ومنهم ممن استهوته الثقافة الغربية وداع لها فتجدهم يرددون في مقالاتهم جل الشبهات والاكاذيب التي رددها المستشرقون من قبلهم .
واما السبب الثاني : فالهوى وسلطانه على النفوس عظيم , { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [القصص: 50] وخير من فصل هذا النوع الامام الشافعي رحمه الله تعالى في رسالته فقال: ورأيت الغفلة قد تدخل على أكثرهم، فيقبلُ عن من يَردُّ مثله وخيراً منه , ويُدخَل عليه، فيقبلُ عن من يعرف ضعفه، إذا وافق قولاً يقوله! ويردُّ حديث الثقة إذا خالف قولاً يقوله , ويُدخَل على بعضهم من جهات.
وما السبب الثالث : فهو الاعراض عن السلف وفهمهم , والغفلة عما كانوا عليه من العلم والعمل, ومن اهم الاسباب التي ادت الوقوع في هذه الجزئية للحديث النبوي , اما غلواً او تقصيراً , قال الامام أبو حاتم الرازي : الْعِلْمُ عِنْدَنَا مَا كَانَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ كِتَابٍ نَاطِقٍ نَاسِخٍ غَيْرِ مَنْسُوخٍ، وَمَا صَحَّتْ بِهِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ مِمَّا لَا مُعَارِضَ لَهُ، وَمَا جَاءَ عَنْ الْأَلِبَّاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا اخْتَلَفُوا لَمْ يُخْرِجْ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ، فَإِذَا خَفِيَ ذَلِكَ وَلَمْ يُفْهَمْ فَعَنْ التَّابِعِينَ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ عَنْ التَّابِعِينَ فَعَنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى مِنْ أَتْبَاعِهِمْ .
ولو ان الباحثين التزموا فقط بما اجمع عليه سلف الامة في ابواب العقيدة واصول الاحكام لقل ذلك الاخلاف ولسلمت قراءة النصوص النبوية . - معالجة الانتقائية بقراءة تكاملية للحديث النبوي :
ان مقصد السنة النبوية المطهرة هي لبيان وتفسير كتاب الله العزيز { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44، 45] , والفهم انما يكون بجمعهما ضمن وحدات موضوعية , قال الامام الشاطبي رحمه الله تعالى : ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد وهو الجهل بمقاصد الشرع وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها وعامها المرتب على خاصها ومطلقها المحمول على مقيدها ومجملها المفسر بينهما إلى ما سوى ذلك من مناحيها فإذا حصل للناظر من جملتها حكم من الأحكام فلذلك الذي نظمت به حين استنبطت .
وبتتبع كلام شراح الحديث ومسالكهم في تطرقهم لهذا الجانب من الدرس الحديثي مع ما اصلوه من قواعد وضوابط يمكننا ان نتلمح جملة من المعالم والضوابط تنير لنا الدرب نحو قراءة كاملة لعد الانتقائية في فهم الحدث النبوي الشريف ومنها : - جمع احاديث الباب الواحد , فالحديث النبوي يفسر بعضه بعضا , قال الامام احمد بن حنبل رحمه الله تعالى «الْحَدِيثُ إِذَا لَمْ تَجْمَعْ طُرُقَهُ لَمْ تَفْهَمْهُ وَالْحَدِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا» , فجمع احاديث الباب الواحد كفيلة ببيان سياق التشريع النبوي للمسائل , وهذا ما يطلق عليه اهل الصنعة بالحديث الموضوعي , قال الحافظ ابن حجر : وأن المتعين على من يتكلم على الأحاديث أن يجمع طرقها ثم يجمع ألفاظ المتون إذا صحت الطرق ويشرحها على أنه حديث واحد فإن الحديث أولى ما فسر بالحديث .
- معرفة مختلف الحديث ومشكله ، فأن وقوع التضاد بين الحديثين او بينه وبين النص القرآني او بينه وبين القاعدة الشرعية أمر معلوم لدى الباحثين في السنة النبوية المطهرة وهو ما يسمى –بمختلف الحديث-فالعناية بهذا الباب مهم في فهم السنة النبوية مما تساعد في ازالة الغموض والتضاد الظاهري بين الحديث وباقي الادلة , ولمعالجة هذا الاشكال هناك مسلك علمي متزن
*اما الجمع وهو الاصل , لان الاعمال أولى من الاهمال , قال الامام الشافعي رحمه الله تعالى : وَكُلَّمَا احْتَمَلَ حَدِيثَانِ أَنْ يُسْتَعْمَلَا مَعًا اسْتُعْمَلَا مَعًا وَلَمْ يُعَطِّلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْآخَرَ
*او النسخ , وهذا توقيفي , قال الامام الشافعي رحمه الله تعالى :
وَلَا يُسْتَدَلُّ عَلَى النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ إِلَّا بِخَبَرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ بِقَوْلٍ أَوْ بِوَقْتٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ
*او الترجيح او التوفق فيما بينهما مع التأكد بالبحث والاستقصاء
…….
وفي الختام نخلص الى ان اساليب التفقه في الحديث النبوي الشريف مسألة مهمة فقد عني بها اهل العلم , وتعنى باهتمام كبير من الباحثين والاكاديمين الا انها لاتنتظم وفق منهج علمي سليم حيث سلك بها اصحابها قراءات مجتزأة انتقائية افضت الى فهم كان سببا في الحيد عن مراد الحديث النبوي الشريف .
ولوصول المقال الى غايته وهو السبيل الى السلامة من القراءة القاصرة , ومن ثم ابراز المعالم العلمية لقراءة تكاملية وموضوعية للحديث النبوي كما اشرنا اليها , فالالتزام بتلك المنهجية يضمن للباحث قراءة تكاملية للحديث النبوي تقي الباحث والمتعلم مزالق الانحراف العلمي وتصل بالمنهج الحديثي الى مبتغاه من بيان مراد النبي وقصده .. والحمد لله رب العالمين
مقال للباحث : م.د. أحمد دلف عبدالفتاح السامرائي
