الثلاثاء، 14 يوليو 2026 تسجيل الدخول

ظاهرة الغلو وسبل معالجتها في الهدي النبوي الشريف ضمن الملتقى العلمي التوعوي المشترك بعنوان –التطرف المخدرات : التحديات التربوية واساليب الوقاية – ضمن المحور الديني والتوعوي من خلال معالجة ظاهرة الغلو في الخطاب الديني المعتدل . الباحث د. احمد دلف عبدالفتاح السامرائي

د.أحمد دلف عبدالفتاح:

الحمد لله رب العالمين .. والصلاة والسلام على أمام الانبياء والمرسلين وعلى اله وصحبه أجمعين وبعد ….
يعد الخطاب الديني من خلال السنة النبوية المطهرة ركنا من اركان العملية التربوية التي تعنى في بناء الفرد والمجتمع , وبما يحمله من قيم اصيلة ومعان قيمة واوامر ربانية التي تستهدف الانسان الذي هو محور العملية , اذ يعد الخطاب النبوي من الاساليب المهمة في الدعوة الى الله , فالنبي صلى الله عليه وسلم القدوة الذي يراعي تفاوت البشر في الفهم والادراك مع مراعاته على التسهيل والتيسير دون افراط او تفريط دون غلو او تطرف او تضييق بالأحكام , فمنهجه صلى الله عليه وسلم منهج الوسطية والاعتدال فقد روي في حديث ابن عباس المشهور «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ»
ولما كانت ظاهرة الغلو حالة مرضية في المجتمعات , كان لزاماً على اهل الفكر ان يعالجوها المعالجة الصحيحة الناجعة , ولا يسع مدى علاجها في توجهي الا بالهدي النبوي الشريف لان العلاج يأتي عليه من الجذور حماية للدين والمجتمع والافراد .
ومن هنا جاءت ورقتنا البحثية بعنوان (ظاهرة الغلو وسبل معالجتها في الهدي النبوي الشريف )
ضمن الملتقى العلمي التوعوي المشترك بعنوان –التطرف المخدرات : التحديات التربوية واساليب الوقاية – ضمن المحور الديني والتوعوي من خلال معالجة ظاهرة الغلو في الخطاب الديني المعتدل .

والغلو في اللغة ” مأخوذ من غلا في الامر يغلو غلوا , أي جاوز فيه الحد .
والغلو في الاصطلاح : عرفه الحافظ ابن حجر رحمه الله : بأنه المبالغة في الشئ والتشديد فيه بتجاوز الحد .
وضابط الغلو هو تعدي ما أمر الله به وهو الطغيان الذي نهى الله عنه في قوله تعالى {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى } [طه: 81] فالنهي عن الغلو في الدين واضح والامر بالاعتدال والتوسط هما اساس الاستقامة , وعليه فحقيقة الغلو : هو الزيادة ومجاوزة الحد الشرعي الواجب .
*المنهج النبوي في التصدي لظاهرة الغلو :
فقد كانت معالجة النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الظاهرة معالجة وقائية تحذيرية فأخبر صلى الله عليه وسلم عن الأحنف بن قيس، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «هلك المتنطعون» قالها ثلاثا , قال عنه شارح الكتاب الامام ابن حجر رحمه الله : أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.
فالتكرار في الحديث الشريف لبيان الانحراف وخطره , والعقوبة المترتبة عليه , هو التحذير من الوقوع فيه لعظم خطره وضرره على العقيدة وحماية جناب الدين وللمبالغة في الابلاغ والتعليم .
والتكرار اللفظي وسيلة من وسائل علاج الانحرافات اذ انه منهج فريد يؤثر في النفس , لان فطرة الانسان تحتاج الى تكرار التنبيه فهو ينسى اذا طال عليه الامد .
قال الحافظ ابن حجر : فيه التحذير من الغلو في الديانة , والتنطع في العبادة بالحمل على النفس فيما لم يأذن فيه الشرع , وقد وصف الشارع الشريعة بأنها سهلة سمحة , وانما ندب الى الشدة على الكفار والى الرأفة بالمؤمنين فعكس ذلك الخوارج
واما المنهج النبوي الشريف لمحاربة الغلو من الناحية العملية فقد كان صلى الله عليه وسلم اذا بلغه أمر من الامور فيه غلو يبادر لايضاح ما استشكل على الاشخاص المغالين فيه , فعن أنس بن مالك  ، يقول: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي  ، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله  إليهم، فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» , فهذا النهج الذي كان بعض الصحابة يريدون السير عليه , يتعارض مه النهج النبوي الشريف ومع طبيعة هذا الدين , وفيه التشبه بالغير , فوقف النبي صلى الله عليه وسلم حيال الامر موقفا حازماً مستخدما الاساليب الممكنة للمعالجة ومنها

  • اسلوب المواجهة المباشرة للحادثة فور وقوعها , ففي الترك تتنامى المشكلة وتتحول خطورتها على المجتمع .
  • اسلوب الحوار مع المخطئين بعد التأكد من صدور الفعل منهم , ثم بيان خطئهم في ذلك , والتأكيد على ان فعله صلى الله عليه وسلم هو الدين الصحيح وانه اخشاهم واتقاهم لله تعالى .
    وهذا ما ينبغي سلوكه مع شباب المسلمين الذين وقعوا في تيارات الغلو , فأسلوب الحوار معهم , ومعرفة أسباب نزوعهم الى الغلو , ومعالجتها بالرفق واللين من أهم الامور التي حث عليها الدين الحنيف .
    أما اذا كان الشاب متطرفاً فكرياً فانه لابد من مواجهته بالفكر المثمر , والحوار البناء الهادف الى الايضاح والافصاح .
  • اسلوب التهديد والوعيد , فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم ان المبالغة في العبادة ليست من سنته  بل هي مخالفة لهديه وطريقته السمحة .
  • اسلوب القدوة , فهو  قدوتهم , ولا مثل هذا العمل , ولهذا الاسلوب تأثير كبير في النفس البشرية , بحيث يترجم الكلمات لمواقف ويحول العبارات الى سلوكيات واخلاق , فتتربى النفوس من خلاله تربية صحيحة .
    وفي الختام : نحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات , والصلاة والسلام الاتمان على نبي الامة المبعوث رحمة للعالمين وعلى اله وصحبة وسلم .
    فبعد التطواف القصير ومحاولة سبر جوانب ظاهرة الغلو في المنهج النبوي الشريف خرجت بنتائج :
  • ان مفهوم الغلو هو مجاوزة الحد وضابط الغلو تعدى ما أمر الله به
  • نهى النبي  عن تجاوز الحد المشروع في ذلك ووجه الى الطريقة السليمة في التعامل معه مع بيان ان الغلو هلاكاً لصاحبه .
  • استعمال النبي  لعدد من الاساليب المعالجة لحالات الغلو في عصره مثل اسلوب المواجهة والحوار والقدوة
  • فالنجاة من الغلو وآثاره تكون بالتمسك بهدي كتاب الله تعالى وسنة نبيه  وبأتباع هديهما في كل نواحي الحياة , في الدين والتدين , وعلى المستوى الفردي والمجتمعي , وعلى المستوى التشريع والحكم .


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *