
بسم الله الرحمن الرحيم
تتناول هذه الدراسة مسألة الرواية بالمعنى، وهي من المسائل المهمّة في علوم الحديث، إذ شغلت اهتمام العلماء، ولا تزال محل بحث ونقاش حتى اليوم، لا سيّما فيما يخصّ مدى إمكانية تطبيق ما قرّره العلماء الأوائل من أحكام في هذا الشأن — قبل أن تُدوَّن الأحاديث وتُجمع في كتب المحدثين — على واقعنا المعاصر الذي باتت فيه كتب الحديث متاحة للجميع بصورة ورقية ورقمية على حد سواء.
ومما هو معروف لدى المشتغلين بهذا العلم أن لهذه المسألة ارتباطاً وثيقاً بعلمي الفقه والحديث معاً؛ فمن جهة الحديث، تتعلق بالضوابط لرواية الحديث النبوي، ومن جهة الفقه، فإن الأحكام المستنبطة من الأحاديث تعتمد في كثير من الأحيان على معاني النصوص. إلا أن هذه الدراسة ستقتصر على الجانب الحديثي خوفاً من الاطالة.
وقد اعتمدت في إعداد هذه الدراسة على عدد من المصادر، ومن أبرزها المدخل إلى علم السنن للبيهقي، والتمهيد لابن عبد البر، وشرح علل الترمذي وفتح الباري لابن رجب، تهذيب سنن أبي داود لابن القيم، وفتح المغيث للسخاوي، والنكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد العلامة عبد الرحمن المعلّمي لشيخي الفاضل إبراهيم الصبيحي، وفضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود للشيخ أبي عمرو ياسر بن محمد فتحي آل عيد، رضي الله عنهم جميعا.
تعريف الرواية بالمعنى
الرواية بالمعنى هي أن يؤدي الراوي حديثاً من أحاديث رسول الله ﷺ بألفاظ مغايرة لما تلقاه، مع الحفاظ على المعنى الأصلي للحديث دون إخلال به، وقد توسع بعض العلماء في هذا المفهوم ليشمل آثار الصحابة والتابعين، غير أن هذه الدراسة ستقتصر على الحديث النبوي الشريف.
حكم الرواية بالمعنى
انقسم العلماء في هذه المسألة إلى فريقين رئيسيّن: فريق أجاز الرواية بالمعنى، وفريق منعها، وقد فصّل العلماء في ذلك تفصيلاً دقيقاً يمكن الرجوع إليه في المصادر كفتح المغيث للسخاوي رحمه الله، وستقتصر هذه الدراسة على عرض مذهب المجيزين، تجنّباً عن الإطالة.
المجيزون للرواية بالمعنى
من أبرز العلماء الذين أجازوا الرواية بالمعنى: البخاري، وأحمد بن حنبل، والثوري، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، والشعبي، ووكيع، والترمذي، ويحيى القطان، وحماد بن سلمة، والزهري، والشافعي، فضلاً عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم كما يتضح من عدد من روايات التابعين.
وقد اكتفيت بذكر جملة من أقوال العلماء في هذه المسألة دون استيعابها جميعاً، حرصاً على الإيجاز.
فمنها: قول مهنّا للإمام أحمد رحمهما الله:
“سمعت عبد الرزاق يقول: قال بعض أصحابنا لسفيان الثوري: يا أبا عبد اللَّه حدِّثنا كما سمعتَ، فقال: واللَّه ما إليه سبيل، وما هو إلَّا المعاني. فقال أحمد: هو كذلك.”
(المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد، ص 100؛ طبقات الحنابلة، 2/ 436)
ومنها: قول القاضي أبي يعلى رحمه الله:
“وقد نصّ أحمد رحمه الله على هذا في رواية حرب، والميموني، والفضل بن زياد، وأبي الحارث، ومهّنا، كلّ عنه: تجوز الرواية على المعنى، وقال: ما زال الحفاظ يحدثون بالمعنى.”
(العدة، 3/ 969)
ومنها: قول الترمذي رحمه الله:
“فأما من أقام الإسناد وحفظه وغيّر اللفظ، فإن هذا واسع عند أهل العلم، إذا لم يتغير به المعنى.
قال أيوب، عن محمد بن سيرين، قال: كنت أسمع الحديث من عشرة، اللفظ مختلف، والمعنى واحد.
قال محمد بن عبد الله الأنصاري، عن ابن عون، قال: كان إبراهيم النخعي، والحسن، والشعبي، يأتون بالحديث على المعاني، وكان القاسم بن محمد، ومحمد بن سيرين، ورجاء بن حيوة يقيدون الحديث على حروفه.
قال الحسين بن حريث: سمعت وكيعا يقول: إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس.”
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله:
“مقصود الترمذي بهذا الفصل الذي ذكره ههنا، أن من أقام الأسانيد وحفظها، وغيّر المتون تغييرا لا يغير المعنى، إنه حافظ ثقة يعتبر بحديثه، وبنى ذلك على أن رواية الحديث بالمعنى جائزة، وحكاه عن أهل العلم، وكلامه يشعر بأنه إجماع، وليس كذلك، بل هو قول كثير من العلماء.”
وقال أيضاً:
“‘وروى قتادة، عن زرارة بن أوفى، قال: لقيت عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فاختلفوا عليّ في اللفظ، واجتمعوا في المعنى’. وقد روى إجازة ذلك أيضا عن عائشة، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس. وفي أسانيدها نظر.
وروى معناه عن ابن مسعود، وأبي الدرداء، وأنس، أنهم كانوا يحدثون عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يقولون: أو نحو هذا، أو شبهه.”
(شرح علل الترمذي، 1/ 429)
وقال السخاوي رحمه الله:
“والمعتمد الأول –أي الجواز–، وهو الذي استقرّ عليه العمل، والحجّة فيه أن في ضبط الألفاظ، والجمود عليها، ما لا يخفى من الحرج والنصب المؤدي إلى تعطيل الانتفاع بكثير من الأحاديث، حتى قال الحسن رحمه الله: لولا المعنى ما حدثنا، وقال الثوري: لو أردنا أن نحدّثكم بالحديث كما سمعناه، ما حدثناكم بحرف واحد.”
(فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، 3/ 143)
وقال الشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمه الله تعالى:
“وعَلِمنا أنّ عادة الناس قاطبةً فيمن يُلْقى إليه كلام المقصود منه معناه، ويؤمر بتبليغه، أنه إذا لم يحفظ لفظَه على وجهه، وقد ضبط معناه، لزمه أن يبلِّغه بمعناه ولا يعدّ كاذبًا ولا شِبه كاذب، وعلمنا يقينًا أن الصحابة إنما أُمِرُوا بالتبليغ على ما جرت به العادة، مَنْ بقي منهم حافظًا لِلَّفظ على وجهه فليؤدِّه كذلك، ومن بقي ضابطًا للمعنى ولم يبق ضابطًا للفظ فليؤدِّه بالمعنى، هذا أمر يقينيّ لا ريب فيه، وعلى ذلك جرى عملهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته.”
(النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد، 4/ 35)
قلت: فهذه بعض أقوال العلماء الكبار التي يتضح منها إجازتهم للرواية بالمعنى، وقد يُقال إن ذلك كان قبل عصر التدوين، حيث كانت الحاجة إلى مثل هذه الرخصة أكبر وأشدّ، غير أن المتأمل في سير هؤلاء العلماء والرواة، يجد أن ذاكرتهم لم تكن بأقل من الحواسيب التي نعرفها اليوم؛ فأمثال البخاري، ومسلم، وأحمد حفظوا مئات الآلاف من الأحاديث.
وقد ذكر الشيخ العلوان حفظه الله باّن الصواب أن البخاري رحمه الله قد روى الأحاديث في صحيحه باللفظ، ورواها كما تلقاها من شيوخه، وإلا فلو قلنا إنه روى جميع ما في صحيحه بالمعنى، لما استقام لنا وصفه بالحفظ، نعم، لقد اختصر كثيراً من الروايات، وأدرجها مقطوعةً لأغراض كالاستدلال بها أو لعلاقتها مع ترجمة الباب، غير أنه حتى في هذه الحالات لم يغيّر الألفاظ، بل يروي بألفاظ شيوخه.
ومن هنا يتبين أن الأوائل لم يكونوا في حاجة ماسّة إلى هذه الرخصة بحيث يتعذر عليهم دونها نقل حديث رسول الله ﷺ، بيد أنهم أدركوا أن المقصود الأصيل من أحاديث النبي ﷺ هو تبليغ مراده ومعناه، سواء أكان ذلك بنفس الألفاظ أم بألفاظ أخرى مستوفيةً لشروط الرواية بالمعنى، وذلك لأن الغاية الرئيسية ليست مجرد سماع الروايات وحفظها، بل العمل بها وتطبيقها، وهو ما لا يتحقق إلا بفهم معانيها، ولهذا فإن القول بالجواز المقيد بشروطه قولٌ صواب، لا إفراط فيه ولا تفريط؛ فلا إفراط لأن الرواية بالمعنى تبقى وسيلةً لتبليغ الأوامر النبوية إلى قيام الساعة، ولا تفريط لأنه ليس إطلاقاً بلا ضوابط يقول فيه من شاء ما شاء.
ويُضاف إلى ما سبق أن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، مع ما اشتُهروا به من حدة الذاكرة وقوة الحفظ، قد مارسوا هذا الأمر بأنفسهم؛ إذ نجد أن الواحد منهم ربما روى الحديث الواحد مرتين بألفاظ مختلفة، وهذا دليل على أن الرواية بالمعنى كانت أمراً مقبولاً في عصرهم. بل إن وجود النبي ﷺ في حياته، والحفاظ من الصحابة بعد وفاته، كان أدعى وأجدر — وفق حجة من يستند إلى توافر الكتب — بأن يُرجع إليهم للتثبت من الألفاظ، ومع ذلك رووا بالمعنى، فكان ذلك دليلاً صريحاً على جوازه.
وفيما يلي جملة من أدلة القائلين بالجواز:
قال مكحول رحمه الله:
“دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقع، فقلنا له: يا أبا الأسقع، حدثنا بحديث سمعتَه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس فيه وَهْم ولا تزيُّد ولا نسيان، فقال: هل قرأ أحد منكم من القرآن شيئًا، قال: فقلنا: نعم، وما نحن له بحافظين جدًا، إنا لنزيد الواو والألف، وننقص، قال: فهذا القرآن، مكتوب بين أظهركم لا تألونه حفظًا، وأنتم تزعمون أنكم تزيدون وتنقصون، فكيف بأحاديثَ سمعناها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، عسى ألا نكون سمعناها منه إلا مرة واحدة، حسبكم إذا حدثناكم بالحديث على المعنى.”
قال الشيخ محمد عوامة حفظ الله في حاشيته: “وكتبت تعليقًا على قولهم: “إنا نزيد الواو والألف وننقص”: يريدون أنهم يغلطون في حال قراءتهم للقرآن الكريم من حفظهم، وهذا ما يحصل لأيّ قارئ، فيصحح ويرجع، لا أنهم يتصرفون في النص القرآني كما يشاؤون!!”
وكذا قال أبو أويس رحمه الله: “سأَلْنا الزهري عن التقديم والتأخير في الحديث؟ فقال: إن هذا يجوز في القرآن، فكيف به في الحديث، إذا أصبت معنى الحديث فلم تُحلَّ به حرامًا، ولم تحرمْ به حلالًا، فلا بأس بذلك إذا أصبت معناه.”
قال الشيخ عوامة حفظه الله: “وقوله عن التقديم والتأخير في القرآن: محمول على ما إذا كان ضمن دائرة القراءات المتواترة…أما إذا كان التقديم والتأخير غير معتمد على قراءة متواترة، فلا يجوز بحال.”
(المدخل إلى السنن الكبرى مع التصرف – البيهقي – ت عوامة، 1/244-247)
قلت: وفي تفرّد أبي أويس بهذه الرواية عن الزهري نظرٌ، وقد ضعّفه غير واحد من الحفاظ عند تفرّده، بل قال عنه الدارقطني رحمه الله في سؤالات البرقاني: “في بعض حديثه عن الزهري شيء.”
وقال الشافعي رحمه الله:
“فإذا كان الله عزّ وجلّ لِرَأْفته بخلْقِه، أنزل كتابَه على سبْعة أحْرف معرفةً منه بأنَّ الحفْظَ قدْ يَزِلُّ، لِيُحِلَّ لهم قراءته، وإنْ اختلف اللفظُ فيه ما لم يكن في اختلافهم إحالةُ معنى، كان ما سِوَى كتابِ الله أوْلَى أنْ يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يُحِلْ معْناه.”
(الرسالة للشافعي، ص274)
قلت: فتكشف هذه الروايات أن العلماء الأوائل والصحابة رضوان الله عليهم رأوا الرواية بالمعنى أمراً جائزاً، مستدلين بأن القرآن الكريم — وهو كلام الله المتعبَّد بتلاوته لفظاً ومعنىً — قد رُخِّص في قراءته على أحرف متعددة، فكان الحديث النبوي أولى بهذه الرخصة؛ إذ لا تعبد بألفاظه من حيث التلاوة، وقد نصّ على هذا ابن عبد البر رحمه الله في التمهيد، حين أشار إلى أن المقصود الأصيل من الأحاديث هو المعاني لا الألفاظ.
فقال ابن عبد البر رحمه الله:
“دليل آخر: أنه لا يخلو أن يكون نقل الحديث، لأجل لفظه، أو لأجل لفظه ومعناه، أو لأجل معناه فقط، لا يجوز أن يكون لأجل لفظه، لأن الإجماع يدفع ذلك، ولا لأجل اللفظ والمعنى، لأنه لو كان (كذلك) لوجب تلاوة اللفظ، ولا دليل في عقل ولا شرع يقتضي كوننا متعبدين بتلاوة لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، فبقي: أنه يجب نقله لأجل المعنى، وهذا الغرض حاصل، إذا عدل الراوي إلى لفظ يقوم مقام لفظ الرسول عليه السلام.”
وقال السخاوي رحمه الله:
“وقد قال أبي بن كعب كما أخرجه أبو داود في “باب ما يقرأ في الوتر”: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بـ {سبح اسم ربك} [الأعلى: 1]، وقل للذين كفروا، والله الواحد الصمد». فسمّى السورتين الأخيرتين بالمعنى.”
وقال أيضاً:
“واحتجّ حماد بن سلمة بأن الله تعالى أخبر عن موسى عليه السلام، وعدوّه فرعون بألفاظ مختلفة في معنى واحد كقوله: {بشهاب قبس} [النمل: 7]، و {بقبس} [طه: 10]، أو {جذوة من النار} [القصص: 29]، وكذلك قصص سائر الأنبياء عليهم السلام في القرآن، وقولهم لقومهم بألسنتهم المختلفة، وإنما نقل إلينا ذلك بالمعنى.”
(فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، 3/ 144)
قلت: وهذا استدلالٌ مهمّ ونفيس؛ إذ إن ما جرى بين الأنبياء عليهم السلام وأقوامهم من حوارات وأحداث — كقصص موسى وعيسى وغيرهما — إنما وقع بلغات أقوامهم غير العربية، ومع ذلك أخبرنا الله سبحانه وتعالى عنها في القرآن الكريم بالعربية، وهذا يدل على أن أصل مبدأ الرواية بالمعنى موجود في القرآن الكريم ذاته.
ويمكن استخراج الأمرين من هذا، أوّلهما: أن الإرشاد والتبليغ لا يكون إلا بلغة يفهمها المخاطَب؛ فالقرآن نزل بالعربية لأن النبي ﷺ وقومه عرب، وما كان يليق بالرسالة الإلهيّة أن تُبلَّغ بما يعجز الناس عن فهمه، وثانيهما: أن العبرة في نقل الأحداث إنما هي بالمضمون والمعنى المستفاد، لا بالألفاظ التي قيلت بها، وينطبق هذا على الأحاديث النبوية؛ فما دامت الغاية منها هي الفهم والعمل، فإن الرواية بالمعنى مع استيفاء شروطها تحقق هذه الغاية تحقيقاً تاماً.
أما الحديث المرفوع الذي يُستأنس به كثيراً في هذا الباب
قال يعقوب بن عبد الله بن سليمان بن أكيمة الليثي، عن أبيه، عن جده، قال: “أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا له: بآبائنا أنت وأمهاتنا يا رسول الله، إنا نسمع منك الحديث، فلا نقدر أن نؤديه كما سمعناه؟ فقال: ‘إذا لم تحلّوا حراما، ولم تحرّموا حلالا، وأصبتم المعنى، فلا بأس.'”
(المعجم الكبير للطبراني، 7/ 100)
قال السخاوي رحمه الله في فتح المغيث: “وهو حديث مضطرب لا يصح، بل ذكره الجوزقاني وابن الجوزي في الموضوعات، وفي ذلك نظر.”
قلت: لم أجده من هذا الطريق في الموضوعات، بل قد روى ابن الجوزي في الموضوعات من طريق بقيّة عن إبراهيم بن أدهم، عن أعين مولى مسلم بن عبد الرحمن قال: “لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‘من كذب عليّ متعمدا’، قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ‘نسمع منك الحديث فنزيد فيه وننقص، فهذا كذب عليك؟’ قال: ‘لا، ولكن من حدَّث عليّ يقول: أنا كذاب، أنا ساحر، أنا مجنون. ‘”
قال ابن الجوزي: ‘وهذا حديث منقطع، وأعين مجهول، ثم لا حجة فيه لمن يزيد الوضع لأنه لو صح كان معنى قولهم: نزيد وننقص في الألفاظ التي لا تخل بالمعنى، وهذا جائز، فليس فيه راحة لمن يقصد الكذب عليه.'”
تحقيق الشيخ عبد الرحمن المعلميّ رحمه الله:
قال المعلميّ رحمه الله: “قال أبو رية: ‘وقد أيَّد صنيعه هذا بأحاديث رفعها إلى النبيّ، ومنها ما رواه الطبراني في “الكبير” عن أبي هريرة أن رسول الله قال: إذا لم تحلّوا حرامًا ولم تحرموا حلالًا وأصبتم المعنى، فلا بأس’.
أقول – أي المعلميّ–: ‘ههنا مآخذ:
الأول: أن هذا لم يروه أبو هريرة ولا رواه الطبراني عنه، إنما رواه الطبراني من طريق يعقوب بن عبد الله بن سليمان بن أكيمة الليثي عن أبيه عن جده، قال: أتينا النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقلنا له: بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله، إنا نسمع منك الحديثَ فلا نقدر أن نؤدّيه كما سمعنا، فقال: إذا لم الخ، وهو في “مجمع الزوائد”، وقال الهيثمي رحمه الله: ‘رواه الطبراني في الكبير، ولم أر من ذكر يعقوب ولا أباه’.
الثاني: أن هذا الخبر إنما يدلّ على إجازة الرواية بالمعنى لقوله فيه: “وأصبتم المعنى”، وقد تقدم الكلام في فصل الرواية بالمعنى فما بعدها ودعوى أبي ريَّة هنا شيء آخر كما يأتي.
الثالث: أن الخبر لا يثبت عن صحابيِّه لجهالة يعقوب، وأبيه، ولهذا أعرضتُ عنه، فلم أستشهد به في فصل الرواية بالمعنى وإن كان موافقًا لقولي.'”
(الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة، 12/ 217(
قلت: ثمّ، هناك أمر مهمّ تنبغي معرفته جيّداً، وهو أن العلماء الذين أجازوا الرواية بالمعنى لم يُطلقوا هذه الإجازة دون قيود وضوابط، بل نصّوا صراحةً على شروط لا بد من استيفائها، وإلا انقلب الجواز إلى المنع عند هؤلاء العلماء أنفسهم، وهذه الشروط مبسوطة في كتب الفقه، وكتب مصطلح الحديث، وحرصاً على الإيجاز، سأكتفي بذكر ما أورده الشيخ العلوان حفظه الله في هذا الشأن، إذ رأيت أنه جامع لأقوال كثير من العلماء السابقين.
ثمّ، ليس هناك التعارض بين ما ذكره العلماء من شروط؛ فمنهم من أوجز، ومنهم من فصّل، وكلها قابلة للجمع. وقد رأيت أن أستشهد بقول عالم معاصر متمكن من الفقه والحديث، لا سيما أن الحكم قد تغيّر عند بعض العلماء بسبب توافر الكتب، وانتفاء الحاجة الماسة إلى الرواية بالمعنى في زماننا.
الشروط الخمسة:
- أن يكون الراوي عارفاً بما يُحيل المعاني وبما يُخلّ بها.
- أن يكون الراوي من أهل العلم.
- ألا يكون المروي من الأسماء والصفات.
- ألا يكون المروي من الأذكار المأثورة.
- أن يتعذّر عليه الرواية باللفظ.
فهذه هي الشروط، ولا أتوسع في شرحها إذ قد اكتفى العلماء ذلك في مصنفاتهم، غير أنني أرى لزوم التنبيه على الشرط الأخير تحديداً، وهو اشتراط التعذّر عن الرواية باللفظ حتى تجوز الرواية بالمعنى، فرغم أنني أميل إلى القول بالجواز، إلا أن هذا الشرط في نظري في غاية الأهمية، ولا يمكن إغفاله.
فنحن اليوم نملك الوصول الفوريّ إلى الأحاديث النبوية في متناول أيدينا؛ فلم يضطرّ المرء إلى العودة إلى بيته، وفتح الكتاب، والبحث في صحيح البخاري أو مسلم أو غيرهما، وإن كان ذلك أفضل، فالتطبيقات الموثوقة المتاحة على الهواتف اليوم، تتيح التحقق من الروايات بيسر وسهولة، وهي بذلك تغني عن الرواية بدون تثبّت.
ثم، القراءة من الكتاب أو الهاتف ليست قادحةً ولا مذمومة؛ بل كان كثير من أئمة الحديث يروون من كتبهم، فهذا الإمام أحمد رحمه الله، على ما اشتُهر به من سعة حفظه، كان يروي من كتابه، فإذا كان هذا حال الإمام أحمد، فما الذي يمنع أحدنا اليوم من فعل ذلك؟
فينبغي للمرء أن يسعى أولاً إلى البحث عن النص، والرواية به بلفظه مستعيناً بالوسائل المتوفرة الموثوقة، فإن تعذّر عليه ذلك بعد المحاولة، صحّ له حينئذٍ الرواية بالمعنى، وهذا في نظري الموقف الأنسب والأكثر اعتدالاً وحيطةً بما يتوافق مع متطلبات عصرنا في مسألة الرواية بالمعنى.
قال أبو أنس الصبيحي حفظه الله:
“الراوي إذا لم يكن متقنا يقظا متحريّاً، فلربما لم تسعفه ذاكرته أن يذكر الحديث بلفظه، أو هكذا ظن أنه لفظه، أو أراد أن يختصر الحديث لسبب الاستعجال أو الاستدلال أو غير ذلك، فربما وقع في حديثه حينئذ خلل يؤثر في معناه دون أن ينتبه.
وأداء الحديث بلفظه وسياقه وتمامه، مع التنصيص على مواضع التردد والشك في الإسناد أو المتن، هو من علامات ضبط الراوي وأمانته وتحريه، وأي غياب لأحد هذه الأمور، ربما جرّ إلى حدوث خلل في الرواية أو كان سببا في وقوع علة.
فإذا لم يستحضر الراوي لفظ الحديث، أو لم ينشط لسوقه كما سمعه، أو سئل عن مسألة أو قضية، فأراد أن يستشهد بمعنى فيه، فساق ذلك الحديث بالمعنى أو اختصره، تابع الأئمة ذلك، وراقبوا الفرق بين روايته ورواية غيره ممن ساقه بتمامه؛ لينظروا في مظاهر الخلل الحادثة، إن وجدت.
لكن لاحظ أنه ليس كل اختصار علة أو سببا في ضعف الحديث المختصر، بل إن كبار الحفاظ ربما اختصروا إذا احتاجوا إلى ذلك، لكن بحيث لا يؤثر ذلك في معنى الأصل، هذا البخاري يكثر من ذلك في “صحيحه”، وربما دل ذلك أحيانا على براعته وحنكته.”
(النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد، 4/ 42)
والآن، سأذكر هنا مثالاً على مسألة اختصار الحديث، وكما أشار الشيخ الصبيحي حفظه الله، فإن هذا الاختصار لا يفضي دائماً إلى الخطأ، غير أننا نجد في بعض الحالات أنه قد أخلّ بالمعنى، وغيّره.
قال ابن رجب رحمه الله في شرح العلل:
“وقد روى كثير من الناس الحديث بمعنى فهموه منه فغيروا المعنى: مثل ما اختصره بعضهم من حديث عائشة في حيضها في الحج، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها وكانت حائضا: “انقضي رأسك وامتشطي”، وأدخله في باب غسل الحيض، وقد أنكر أحمد ذلك على من فعله، لأنه يخل بالمعنى، فإن هذا لم تؤمر به في الغسل من الحيض عند انقطاعه، بل في غسل الحائض إذا أرادت الإحرام”.
قلت: والظاهر — كما سيبدو من كلام ابن رجب في الفتح — أن المقصود بقوله “بعضهم” هو وكيع؛ إذ أخرج ابن ماجه رحمه الله هذا الحديث في “باب في الحائض كيف تغتسل”، وكذلك أخرجه ابن أبي شيبة رحمه الله في مصنفه في “باب في المرأة كيف تؤمر أن تغتسل”، وكلاهما من طريق وكيع عن هشام عن عروة عن عائشة، أن النبي ﷺ قال لها في الحيض: “انقضي شعرك، واغتسلي”، فهذه الرواية خلت من ذكر الإحرام والحج، بل جاءت مطلقة، فأفضى الاختصار إلى تغيير معناها، والإخلال بالاستدلال بها.
قال ابن رجب رحمه الله:
“وقد ذكر ابن ماجه في كتابه: (باب: الحائض كيف تغتسل)، ثُمَّ قالَ: حدثنا أبو بكر بنِ أبي شيبة وعلي بنِ محمد، قالا: ثنا وكيع، عَن هشام ابن عروة، عَن أبيه، عَن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ لها – وكانت حائضاً -: (انقضي شعرك واغتسلي). قالَ علي في حديثه: (انقضي رأسك). وهذا – أيضاً – يوهم أنَّهُ قالَ لها ذَلِكَ في غسلها مِن الحيض، وهذا مختصر مِن حديث عائشة الذِي خرجه البخاري. وقد ذكر هَذا الحديث المختصر للإمام أحمد، عن وكيع، فأنكره، قيل لَهُ: كأنه اختصره مِن حديث الحج؟ قالَ: ويحل لَهُ أن يختصر؟! نقله عَنهُ المروذي، ونقل عَنهُ إسحاق بن هانئ، أنَّهُ قالَ: هَذا باطل. قَالَ أبو بكر الخلال: إنما أنكر أحمد مثل هذا الاختصار الذي يخل بالمعنى، لا أصل اختصار الحديث، قَالَ: وابن أبي شيبة في مصنفاته يختصر مثل هذا الاختصار المخل بالمعنى. وقد تبين برواية ابن ماجه أن الطنافسي – أي علي بن محمد بن إسحاق الطنافسي – رواه عن وكيع، كما رواه ابن أبي شيبة عنه، ورواه أيضاً إبراهيم بن مسلم الخوارزمي في كتاب الطهور له عن وكيع أيضاً، فلعل وكيعاً اختصره، والله أعلم.”
(فتح الباري لابن رجب، 2/ 105)
قلت: وقد نقل ابن رجب رحمه الله هنا موقف الإمام أحمد رحمه الله في هذا الاختصار، وهو موقف صريح في رفضه، والحكم بخطئه، ويُعزز هذا الحكم أن كبار أئمة الحديث كالبخاري ومسلم ومالك وأحمد وأبي داود وغيرهم لم يرووا هذا الحديث بهذا الاختصار، بل لم يروه أحد منهم من طريق هشام، وإنما رووه من طريق الزهري، ثم لم ينفرد بروايته عن هشام إلا وكيع، في حين رواه مالك، وإبراهيم بن سعد، ومعمر عن الزهري، وبعد البحث والتتبع وقفت على جملة من أقوال النقاد تدل على تقديمهم الزهري على هشام، حتى في روايته عن أبيه عروة رحمه الله:
قال عثمان بن سعيد رحمه الله ليحيى بن معين رحمه الله:
“هشام بن عروة أحبّ إليك عن أبيه أو الزهري عنه؟ فقال: كليهما، ولم يفضل.”
(الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، 9/ 64)
قال أبو حاتم رحمه الله:
“سئل يحيى بن معين عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أحبّ إليك أم الزهري عن عروة عن عائشة؟ قال: ‘الزهري عن عروة عن عائشة أحبّ إلىّ.'”
(الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، 2/ 25)
قال موسى بن إسماعيل رحمه الله:
“حدثنا العوام بن أبي العوام الأعلم، قال: قال الزهري: ‘أنا أعلم بعروة من هشام.'”
(التاريخ الكبير لابن أبي خيثمة، 1/ 406)
قال الدارقطني رحمه الله:
“وهشام، وإن كان ثقة، فإن الزهري أحفظ منه، والله أعلم.”
(سنن الدارقطني، 5/ 430)
قلت: وثمّة أمر آخر جدير بالإشارة هنا، وهو أن هذا الحديث هو من تلك الأحاديث التي اختلف العلماء في الحكم عليها، وهو يرسم حداً فاصلاً بين منهجين: منهج العلماء الأوائل، ومنهج من اقتصر على ظاهر السند من المتأخرين والمعاصرين. فمن اكتفى بالنظر في ظاهر السند قال بصحة هذا الحديث لثقة رواته، وهو ما ذهب إليه بعضهم فعلاً، ومع ذلك حكم عليه الإمام أحمد بالنكارة.
وأمّا من سلك منهج الأئمة الأوائل بما فيهم الإمام أحمد رحمه الله نفسه، فلن يخالف حكمه، والسؤال الذي يطرح نفسه: أكان الإمام أحمد يجهل أن رواة هذا الحديث ثقات؟ بالطبع لا، فلماذا إذن أطلق عليه تلك الكلمات الشديدة؟ والجواب أن العلماء الأوائل لم يقتصروا في نقدهم على دراسة السند وحده، بل ضموا إلى ذلك أدوات أخرى، ومن أبرزها المقارنة بين الروايات والموازنة بينها، كما أشرت إليه آنفاً من القرائن التي يستعين بها الناقد، وكذلك اعتمادهم في تقييم أحوال الرواة؛ إذ إن باب الجرح والتعديل ليس أمراً هيّناً كما قد يتوهَّم البعض، فلا يُكتفى فيه بمجرد توثيق الراوي، بل لا بد من التعمق في التفاصيل والموازنة الدقيقة بين الرواة، وغير ذلك من الاعتبارات الضرورية للوصول إلى نتيجة سليمة.
إخراج الإمام البخاري رحمه الله هذا الحديث:
ثمّ، إن الإمام البخاري رحمه الله قد أخرج هذا الحديث في بابين لا علاقة لهما بالحج أو الإحرام، غير أنه لم يختصر الرواية، بل أخرجها كاملة، وقد أجاد ابن رجب رحمه الله في بيان وجه استدلاله.
قال ابن رجب رحمه الله:
“هذا الحديث قَد استنبط البخاري رحمه الله منهُ حكمين، عقد لهما بابين: أحدهما: امتشاط المرأة عند غسلها مِن المحيض. والثاني: نقضها شعرها عند غسلها مِن المحيض. وهذا الحديث لا دلالة فيهِ على واحد مِن الأمرين؛ فإن غسل عائشة الذِي أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بهِ لَم يكن مِن الحيض، بل كانت حائضاً، وحيضها حينئذ موجود، فإنه لو كانَ قَد انقطع حيضها لطافت للعمرة، ولم تحتج إلى هَذا السؤال، ولكن أمرها أن تغتسل في حال حيضها وتهلّ بالحج، فَهوَ غسل للإحرام في حال الحيض، كَما أمر أسماء بنت عميس لما نفست بذي الحليفة أن تغتسل، وتهلّ.” اهـ.
ثم بيّن ابن رجب رحمه الله وجه استدلال البخاري رحمه الله فقال:
“وقد يحمل مراد البخاري – رحمه الله – على وجه صحيح، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر عائشة بنقض شعرها وامتشاطها عند الغسل للإحرام: لأن غَسَلَ الإحرام لا يتكرر، فلا يشق نقض الشعر فيه، وغسل الحيض والنفاس يوجد فيه هذا المعنى، بخلاف غسل الجنابة، فإنه يتكرر فيشق النقض فيه، فلذلك لم يؤمر فيه بنقض الشعر.”
(فتح الباري لابن رجب، 2/ 105(
والظاهر أن الإمام البخاري رحمه الله مال إلى القول بوجوب النقض والتفريق بين الاغتسال من الجنابة والاغتسال من الحيض في حكم نقض الشعر، كما صرّح بذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح، فقال: “قوله: (باب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض) أي هل يجب أم لا؟ وظاهر الحديث الوجوب، وبه قال الحسن، وطاوس في الحائض دون الجنب، وبه قال أحمد.” اهـ.
رأي ابن القيّم رحمه الله
وقد ردّ ابن القيّم رحمه الله على من قال بأن النقض والامتشاط، إنما هما في غسل الإحرام لا في غسل الحيض، ثم ردّ على من قال بعدم وجوب النقض في غسل الحيض، وهذا رأي بعض الحنابلة كما ذكره ابن قدامة رحمه الله، وأما جمهور العلماء، فيرون أنه أمر مستحبّ في غسل الحيض.
قال ابن القيّم رحمه الله:
“وأما نقضه في غُسل الحيض، فالمنصوص عن أحمد أنها تنقضه فيه، قال مهنّا: سألت أحمدَ عن المرأة تنقض شعرَها إذا اغتسلت من الجنابة؟ فقال: لا، فقلت له: في هذا شيء؟ قال: نعم، حديث أمّ سلمة، قلت: فتنقض شعرها من الحيض؟ قال: نعم، قلت له: كيف تنقضه من الحيض ولا تنقضه من الجنابة؟ فقال: حدثت أسماء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “تنقضه”. فاختلف أصحابُه في نصِّه هذا؛ فحملَتْه طائفةٌ منهم على الاستحباب، وهو قول الشافعي ومالك وأبي حنيفة. وأجرَتْه طائفة على ظاهره، وهو قول الحسن وطاوس، وهو الصحيح، لِمَا احتجَّ به أحمد من حديث عائشة: ‘أن أسماء سألت النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن غُسل المحيض؟ فقال: تأخذ إحداكنّ ماءها وسدرها فتطهَّر، إلخ.'”
وقال أيضاً:
“وقوله صلى الله عليه وسلم: “انقضي رأسك وامتشطي”، أمرٌ لها في غسلها بنقض رأسها، لا أمر بمجرَّد النقض والامتشاط، وأما قولكم: إنه كان في غسل الإحرام فصحيح، وقد بينَّا أن غُسل الحيض آكد الأغسال، وأَمَر فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بما لم يأمر به في سواه من زيادة التطهُّر والمبالغة فيه، فأَمْرُها بنقضِه، وهو غير رافعٍ لحَدَث الحيض، تنبيهٌ على وجوب نقضه إذا كان رافعًا لحَدَثِه بطريق الأولى.”
(تهذيب سنن أبي داود، 1/ 149)
قلت: وفي هذا الاستدلال نظر كما أشار إليه ابن رجب رحمه الله في الفتح، فقال رحمه الله:
“ولكن في حديث عائشة أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غَسَل الحيض، وليس فيه أنه أمرها بالنقض، بل أمرها بدلكه دلكاً شديداً حتى يبلغ شئون رأسها، ولم يأمرها بنقضه، وفي الحديث: أنها سألته عن غَسَل الجنابة، فأمرها بمثل ذلك، غير أنه لم يقل: دلكاً شديداً.” اهـ.
فالحديث في صحيح مسلم كما قال ابن رجب رحمه الله ليس فيه ذكر عن النقض، بل أمرها فيه رسول الله ﷺ باستخدام السدرة والدلك الشديد، وكلاهما لا يستلزم النقض إذ ليسا مختصَّين بالشعر، بل ينطبقان على الجسد أيضاً، ولو كان النقض واجباً لبيّنه رسول الله ﷺ.
وثمّة أمر آخر في هذه المسألة، وسأختم به، وهو أمر متعلق بمنهج الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه، وقد يغفل عنه كثير من الباحثين، وليس هذا موضع بيانه لدقته، غير أنني أنصح بالرجوع إلى كتاب النكت الجياد في القسم الثاني “مناهج بعض أئمة النقد والمصنِّفين” لشيخي الفاضل إبراهيم الصبيحي حفظه الله، فقد أجاد في بيانه.
زيادة لفظة “الحيضة”
فقد جاءت في صحيح مسلم رواية استدلّ بها غير واحد من العلماء، إلا أن في استدلالهم بها نظرا، وذلك لأن زيادة لفظة “الحيضة” فيها غير محفوظة كما قال ابن رجب رحمه الله في الفتح:
“وفي صحيح مسلم من حديث أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ قَالَ: لا. وهذه اللفظة – أعني: لفظة الحيضة – تفرد بها عبد الرزاق، عن الثوري، وكأنها غير محفوظة، فقد رواه غير واحد، عن الثوري، فلم يذكروها.” اهـ.
وقد أجاد ابن القيم في بيان علة هذه الزيادة في تهذيب سنن أبي داود، وفصّلها تفصيلاً حسناً، فقال رحمه الله:
“أما حديث أم سلمة، فالصحيح فيه الاقتصار على ذِكْر الجنابة دون الحيض، وليست لفظة “الحيضة” فيه محفوظة، فإن هذا الحديث رواه أبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وعَمرو الناقد، وابنُ أبي عمر، كلّهم عن ابن عُيينة، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشدُّ ضُفْرَ رأسي، أفأنقضُه لغُسل الجنابة؟ فقال: لا. ذكره مسلم عنهم، وكذلك رواه عَمرو الناقد، عن يزيد بن هارون، عن الثوري، عن أيوب بن موسى. ورواه عَبْد بن حُميد، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن أيوب بن موسى، وقال: أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ قال مسلم: وحدثنيه أحمد الدارمي، أخبرنا زكريا بن عدي، أخبرنا يزيد يعني ابنَ زُرَيع، عن رَوْح بن القاسم، قال: حدثنا أيوب بهذا الإسناد، وقال: أَفأحُلّه وأغسله من الجنابة؟ ولم يذكر الحيضة. فقد اتفق ابنُ عيينة ورَوحُ بن القاسم عن أيوب، فاقتصرا على الجنابة. واخْتُلِفَ فيه على الثوري، فقال يزيد بن هارون عنه كما قال ابنُ عيينة ورَوح، وقال عبد الرزاق عنه: أفأنقضه للحيضة والجنابة. وروايةُ الجماعة أولى بالصواب، فلو أن الثوريّ لم يُخْتَلَف عليه لترجَّحت رواية ابن عيينة ورَوْح، فكيف وقد روى عنه يزيد بن هارون مثل رواية الجماعة؟! ومن أعطى النظرَ حقَّه عَلِم أن هذه اللفظة ليست محفوظة في الحديث.”
(تهذيب سنن أبي داود، 1/ 148)
والله أعلم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وأصحابه.
ألّفه أبو حفصة عمير الحنفي
