تزوج بن القاسم ابنة عمه، وحملت منه، وقد كان شغوفاً بطلب العلم، فقرر أن يرتحل لطلب العلم، وخيَّرها عند سفره بين البقاء أو الطلاق، فاختارت البقاء معه، فسافر حتى أتى المدينة، وترك زوجه حاملاً في بلاده، فاسمع ما يقول.
يقول: كنت آتي كل يوم الإمام مالك عليه رحمة الله في ظلمة الليل -في آخر الليل- في غلس، فأسأله عن مسألتيْن أو ثلاث أو أربع، وكنت أجد منه في ذلك الوقت انشراحاً للصدر، فكنت أستغل ذلك الانشراح، فآتيه كل سحر، قال: فجئت يوماً، فتوسدت مرة عتبة بابه، فغلبتني عيناي، فنِمْتُ، وخرج الإمام مالك إلى المسجد، ولم أشعر به.
قال: فخرجت جارية سوداء له، فركضتني برجلها، وقالت: إن الإمام قد خرج إلى المسجد، ليس يغفل كما تغفل أنت، إن له اليوم تسعاً وأربعين سنة قلَّما صلى الصبح إلا بوضوء العتمة، يصلي الصبح بوضوء العشاء لمدة تسع وأربعين سنة!
يقول ابن القاسم: فأنخت بباب مالك سبع عشرة سنة أطلب العلم، والله ما بعت فيها ولا اشتريت شيئاً، وإنما أطلب العلم.
قال: وبينما أنا عنده إذ أقبل حجاج مصر -بلده- فإذا شاب ملثم دخل علينا، فسلم على مالك، وقال: أفيكم ابن القاسم؟ فأشير إليَّ، قال: فأقبل علي يقبل عيني ويدي ووجدت منه ريحاً طيبة؛ فإذا هي رائحة الولد، وإذا هو ابني الذي ذهبت، وهو في بطن أمه قد أصبح شاباً يافعاً فيالله! تركوا كل شيء، وأعطوْا العلم كل شيء، ففتح الله عليهم فتحاً لا يخطر بالبال، ولا يدور بالخيال.
ترتيب المدارك