دروس من الهجرة النبوية
أبو عاصم البركاتي المصري الأثري
أولا : اختيار الصحبة الصالحة : أبو بكر الصديق رفيق وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وهجرته ، لمكانته وقربه وأخوته وحنكته، روى البخاري وأحمد وابن حبان عن عائشة قالت : استأذَن أبو بكرٍ رضِي اللهُ عنه النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الخروجِ مِن مكَّةَ حينَ اشتَدَّ عليه الأمرُ فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( اصبِرْ ) فقال : يا رسولَ اللهِ تطمَعُ أنْ يُؤذَنَ لك ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( إنِّي لَأرجو ) فانتظَره أبو بكرٍ فأتاه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذاتَ يومٍ ظُهرًا فناداه فقال له : ( أخرِجْ مَن عندَك ) فقال أبو بكرٍ : إنَّما هما ابنتاي يا رسولَ اللهِ فقال : ( أشعَرْتَ أنَّه قد أُذِن لي في الخروجِ ) ؟ فقال : يا رسولَ اللهِ الصُّحبةُ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( الصُّحبةُ ) قال : يا رسولَ اللهِ عندي ناقتانِ قد كُنْتُ أعدَدْتُهما للخروجِ قالت : فأعطى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إحداهما وهي الجَدعاءُ (فقَبِلها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولكنْ بِقيمَتِها) فركِبا حتَّى أتَيَا الغارَ وهو بثَوْرٍ فتوارَيا فيه .
واختار النبي ﷺ السير نهارًا وقت الظهيرة الشديد (الهاجرة) لقلة التحرك في الأسفار في ذلك الوقت، وكتم الوجهة عن الجميع إلا أبا بكر الصديق ، تروي عائشة رضي الله عنها : أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ فِي سَاعَةٍ كَانَ لَا يَأْتِي فِيهَا... فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ وَالْهِجْرَةِ»، قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الصُّحْبَةَ"، قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا شَعَرْتُ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ يَبْكِي! ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ هَاتَيْنِ رَاحِلَتَيْنِ كُنْتُ أَعْدَدْتُهُمَا لِهَذَا " [السيرة النبوية لابن كثير: (٢/٢٣٣)]
ومكث النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في الغار ثلاثة أيام (الخميس، الجمعة، السبت) حتى تهدأ حملات التفتيش، ورغم اقتراب الخطر، ظهر اليقين؛ قال أبو بكر: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا فِي الْغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا، فَقَالَ:"مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا" . صحيح البخاري: (٣٦٥٣).
قال الله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا } [التوبة:40].
ومما يدل على فضل الصحبة الصالحة ما روى مسلم عن البراءِ، قال: قال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ: لَمَّا خَرَجنا مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن مَكَّةَ إلى المَدينةِ مَرَرنا براعٍ، وقد عَطِشَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: فحَلَبتُ له كُثبةً مِن لَبَنٍ، فأتَيتُه بها فشَرِبَ حتَّى رَضيتُ.
ثانيا: وجوب الأخذ بالأسباب مع صدق التوكل على الله:
فالأخذ بالأسباب لتحقيق أي شيء من فرائض الله تعالى على خلقه والاعتماد على الأسباب شرك ، وإنما الاعتماد والتوكل يكون على الله وحده، والله تعالى قادر أن ينقل نبيه من مكة للمدينة بلا أسباب أو بالبراق كما حصل في ليلة الإسراء ، ولكنه سبحانه أراد أن يرسخ لمبدأ الأخذ بالأسباب. ومما يوضح هذا الأصل ويؤكده قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال: 60] وقال اللهُ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 71].
وفي باب الرزق والأخذ بأسبابه ، قال سبحانه: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } [الجمعة: 10] . وقال : {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك : 15].
ومن مبدأ الأخذ بأسباب الرزق قوله تعالى لمريم : {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [مريم : 25]. وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، أن مباشرة الأسباب في طلب الرزق أمر واجب وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله، لأن المؤمن يتعاطى الأسباب امتثالا لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه لا يقع في ملكه- سبحانه- إلا ما يشاؤه ويريده. [التفسير الوسيط لطنطاوي(9/ 31)]
وعن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "لو أنَّكُم كُنتُم تَوكَّلونَ على اللهِ حَقَّ تَوكُّلِه لرُزقتُم كما يُرزَقُ الطَّيرُ؛ تَغدو خِماصًا، وتَروحُ بِطانًا " [أخرجه الترمذي (2344) واللَّفظُ له، وابن ماجه (4164)، وأحمد (370)].
ثالثا : ومن مبدأ الأخذ بالأسباب التخطيط الجيد للهجرة :
ومن ذلك إتقان دور المخادعة الحربية، لضمان تحقيق المهمة بغير مفاجآت، كتكليف علي بن أبي طالب بالنوم في فراش النبي - صلى الله عليه وسلم -، تمويها على المشركين وتخذيلا لهم، وهذا دور الفتيان الأقوياء.
ثم إشراك النساء في إنجاح الهجرة بما يناسب دورهن. تقول عائشة - رضي الله عنها - متحدثة عن نفسها وأختها أسماء: " فجهزناهما (أي: الراحلتان) وصنعنا لهما سُفرة (الزاد الذي يصنع للمسافر) في جِراب (وعاء يحفظ فيه الزاد ونحوه)، فقطعَتْ أسماءُ بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين" [البخاري].
تخصيص حيز للأطفال ، ويمثله دور عبد الله بن أبي بكر، الذي كان يتقصى أخبار قريش، وينقلها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه وهما في غار ثور.
ومن التخطيط الجيد، تكليف الراعي عامر بن فهيرة أن يسلك بقطيعه طريق الغار، ليزيل آثار الأقدام المؤدية إليه، ثم يسقي النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه من لبن غنمه.
ومن كمال التخطيط أن اتخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن أريقط دليلا عارفا بالطريق ولو كان مشركا، مادام مؤتمنا، متقنا لعمله، ولذلك أرشدهم - بمهارته - إلى اتخاذ طريق غير الطريق المعهودة.
ومن التخطيط الجيد أخذ الاتجاه المعاكس وتأمين المخبأ: فبدلًا من الاتجاه شمالًا نحو المدينة (الوجهة المتوقعة)، سلك النبي ﷺ جنوبًا نحو غار ثور لإرباك قريش، وعند الغار، برز فداء الصديق، يقول العلامة ابن هشام رحمه الله: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ الحسن بن أبي الحسن البصري قَالَ: انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ إلَى الْغَارِ لَيْلًا، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَسَ الْغَارَ، لِيَنْظُرَ أَفِيهِ سَبُعٌ أَوْ حَيَّةٌ، يَقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ. [سيرة ابن هشام: (١/٤٨٦)]
ومع كل هذه الاحتياطات وصل المشركون بتتبع الأثر إلى فم الغار ، أخرج البزار في مسنده رقم (4344) بسند ضعيف، وفيه أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ بَاتَ فِي الْغَارِ أَمَرَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى شَجَرَةً فَنَبَتَتْ فِي وَجْهِ الْغَارِ فَسَتَرَتْ وَجْهَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم وَأَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْعَنْكَبُوتَ فَنَسَجَتْ عَلَى وَجْهِ الْغَارِ وَأَمَرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ حَمَامَتَيْنِ وَحْشِيَّتَيْنِ فَوَقَعَتَا بِفَمِ الْغَارِ وَأَتَى الْمُشْرِكُونَ مِنْ كُلِّ بَطْنٍ حَتَّى إِذَا كَانُوا مِنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم عَلَى قَدْرِ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا مَعَهُمْ قِسِيُّهُمْ وَعِصِيُّهُمْ تَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَنَظَرَ فَرَأَى الْحَمَامَتَيْنِ فَرَجَعَ فَقَالَ لأَصْحَابِهِ لَيْسَ فِي الْغَارِ شَيْءٌ رَأَيْتُ حَمَامَتَيْنِ عَلَى فَمِ الْغَارِ فَعَرَفْتُ أَنْ لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ فَسَمِعَ قَوْلَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم فَعَرَفَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ دَرَأَ بِهِمَا عَنْهُ" .
رابعا: من أعظم دروس الهجرة التضحية والبذل لخدمة الإسلام([1]): والتضحية بذل ما يستطيع المسلم تقديمه وبذله من النفس والمال، والوقت والحياة والجهد، وكل شيء ابتغاء مرضاة الله عز وجل.
و لقي محمد صلى الله عليه وسلم من قومه من أذاهم ما لقي، لقد هموا عليه الصلاة والسلام أن يقتلوه، ويستريحوا منه - فيما زعموا - وأن يُثْبِتُوه؛ فيُفرَض عليه الإقامة الجبرية، ويمنعوه من مغادرة مكة، أو يخرجوه فينفوه إلى بعض البلاد ويرتاحوا من دعوته: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [الأنفال: 30]
وروى الإمام أحمد بسنده عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد أُوذيتُ في الله، وما يُؤذى أحد، وأُخفت في الله وما يُخاف أحد، ولقد أتت عليَّ ثلاثون ليلة من بين يوم وليلة، وما لي ولبلال رضي الله عنه ما يأكله ذو كبد، إلا ما يواري إبط بلال"؛ [أخرجه ابن ماجه، وابن حبان، والترمذي].
ولما أذن له صلى الله عليه وسلم بالهجرة ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يمضي بهدى ربه وتوفيقه، معتصمًا بحبله؛ مرددًا قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾ [يس: 9]، ويخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بينهم ليلا وهم لا يبصرونه، ويأتي أبا بكر في الظهيرة ليرافقه في الهجرة، وهذه سنة الله إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، خرج صلى الله عليه وسلم مهاجرًا، ووصل أطراف مكة، والتفت إليها، وقال صلى الله عليه وسلم: "والله إني أعلم أنكِ خير أرض الله، وأحبها إلى الله، ولولا أن أهلكِ أخرجوني منكِ ما خرجتُ".
وفي رواية: "ما أطيبكِ من بلدٍ وأحبكِ إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منكِ ما سكنت غيركِ"؛ [رواه الترمذي، والبيهقي، وغيرهما]، وهكذا ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بموطنه ومسكنه وأهله، يلتمس أرضًا خصبة لنشر رسالة ربه تعالى.
وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: ذاك الفدائي العظيم، يبيت في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة، معرضًا نفسه للقتل الذي ما منه بدٌّ، في حالة علِم المشركون وقدروا عليه، لكنها نفس ترخص في سبيل الدفاع عن الدين وعن رسوله.
أبو بكر الصديق وتضحياته : يهاجر أبو بكر تاركا خلفه أبويه وأبنائه وقد حمل كل أمواله لله ولرسوله . فهذه أسماءُ تحدث عن أبيها أبي بكر رضي الله عنه، قالت: "لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر ماله كله، وكان خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم، فانطلق به معه، قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة، وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قالت: قلت: كلا يا أبت، إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا، قالت: فأخذت أحجارًا، فوضعتها في كوة في البيت، التي كان أبي يضع أمواله فيها، ثم وضعت عليها ثوبًا، ثم أخذت بيده، فقلت: يا أبت، ضع يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس، إذا ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم، ولا والله ما ترك لنا أبي شيئًا، ولكنني أردت أن أسكن الشيخ" .
وهذا جندب بن ضمرة رضي الله عنه: ذلك الرجل الذي تقدمت به السن، ولكنه استمع إلى قول الله تعالى في سورة النساء: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾ [النساء: 97]، قال الشيخ: أنا لست من المستضعفين، وهاجر إلى المدينة، وحاول أولاده وأصحابه أن يمنعوه فلم يفلحوا، وفي الطريق أحس بدنو الأجل، فقال: اللهم إني أشهد أن لا إله إلا أنت، وأن محمدًا عبدك ورسولك، ثم فاضت روحه، فقال الصحابة: ليته مات بالمدينة؛ حتى يفوز بثواب المهاجرين؛ فأنزل الله: ﴿ وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 100].
صهيب الرومي يشري نفسه ابتغاء مرضات الله:
وهذا صهيب وقد كانت هجرته رضي الله عنه صورة تجلت فيها معاني التضحية بالمال، وبذله رخيصًا في سبيل الله، فحين خرج مهاجرًا، تبِعه نفر من المشركين ليمنعوه فأدركوه، فوقف واستخرج نباله من كنانته، وقال لهم: "يا معشر قريش تعلمون أني من أرماكم، والله لا تصلون إليَّ حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي بيدي منه شيء"، فقالوا له كما روى الحاكم في مستدركه: "أتيتنا صعلوكًا فكثر مالك عندنا، ثم تريد أن تخرج بنفسك ومالك؟ والله لا يكون ذلك، فقال: أرأيتم إن تركت مالي لكم هل تخلون سبيلي؟ قالوا: نعم، فدلهم على الموضع الذي خبأ فيه ماله بمكة، فسمحوا له بإتمام هجرته إلى المدينة المنورة، بعد أن ضحى بكل ما يملك في سبيل دينه، بلغ خبر صهيب رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن لحق به بالمدينة المنورة؛ فقال له صلوات الله وسلامه عليه: "ربِح البيع أبا يحيى؛ وتلا قول الله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [البقرة: 207].
وفي روايةٍ أخرى: قال صهيب رضي الله عنه: "وخرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء، قبل أن يتحول منها، فلما رآني، قال: يا أبا يحيى، ربح البيع؛ ثلاثًا، فقلت: يا رسول الله، ما سبقني إليك أحد، وما أخبرك إلا جبريل عليه السلام"؛ [رواه الحاكم].
تضحيات أبي سلمة وأم سلمة :
وهذا أبو سلمة بن عبد الأسد مثال راقٍ من التضحية لله ولدينه ولرسوله، قال ابن هشام: "فكان أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، واسمه عبدالله، هاجر إلى المدينة قبل بيعة أصحاب العقبة بسنة، وكان قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة من الحبشة، فلما آذته قريش، وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار، خرج إلى المدينة مهاجرًا"، ولنترك أم سلمة رضي الله عنها تقص علينا وقائع هذه الملحمة الخالدة، قالت: "لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة، رحل لي بعيره ثم حملني عليه، وحمل معي ابني سلمة في حجري ثم خرج يقود بي بعيره، فلما رأته رجال بني المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم، قاموا إليه، فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتك هذه، علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده، فأخذوني منه، قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد، رهط أبي سلمة، فقالوا: لا والله، لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، قالت: فتجاذبوا بُنيَّ سلمةَ بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة، قالت: ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني، قالت: فكنت أخرج كل غداة، فأجلس بالأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسى سنةً أو قريبًا منها، حتى مر بي رجل من بني عمي، فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة، فرقتم بينها وبين زوجها وولدها؟ قالت: فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت، قالت: وردَّ بنو عبد الأسد إليَّ عند ذلك ابني، قالت: فارتحلت بعيري، ثم أخذت بني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة".
خامسا: من وحي الهجرة: تأييد الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم([2]). أيَّد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في المؤمرة التي حاكها كفار مكة ضده، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [الأنفال: 30].
تأييد الله لنبيه في الغار : وصل المشركون إلى الغار، ورأى سيدنا أبو بكر رضي الله عنه أقدامهم فقال: "يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر تحت قدميه أبصرنا"، والرسول يُهدئ من رَوْع أبي بكر ويقول: يا أبا بكر، ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا ، ﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 40].
سراقة بن مالك رضي الله عنه وتأييد الله تعالى لنبيه بسراقة:
عن سراقة بن مالك بن جعشم رضي الله عنه قال: "جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دِيَةَ كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مُدلِج، إذ أقبل رجل منهم، حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة، إني قد رأيت آنفًا أَسوِدة بالساحل أراهما محمدًا وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا، ثم لبِثتُ في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي، وهي من وراء أَكَمةٍ فتحبسها عليَّ، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزَجِّه الأرض وخفضت عاليَهُ، حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تقرب بي، حتى دنوت فعثُرتُ بي فرسي فخررتُ عنها، فقمتُ فأهويتُ يدي إلى كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها: أضُرُّهم أم لا؟ فخرج الذي أكره.
فركِبتُ فرسي وعصيت الأزلام تقرب بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها، فنهضت فلم تكد تُخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأَثَرِ يديها عُثانٌ ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتُهم، ووقع في نفسي حين لقِيتُ ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهرُ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدِّيَةَ، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرْزآني، ولم يسألاني إلا أن قال: ((أَخْفِ عنا))، فسألته أن يكتب لي كتابَ أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم. [أخرجه البخاري]
سادسا: الصبر والثبات:
ومن مؤهلات النصر والتأييد: الصبر والثبات وعدم التزعزع والشك والريب؛ قال الله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: 24]؛ قال بعض العلماء: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين؛ عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ، قَالَ: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ، فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَقُلْنَا: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلاَ تَدْعُو لَنَا، فَقَالَ: قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ، فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمَشَّطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ، لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللهَ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ"
هذا ما تيسر والله من وراء القصد
________________
[1] من وحي الهجرة : درس التضحية ، الشيخ محمد عبدالتواب سويدان ، مقال على موقع الألوكة.
[2] من وحي الهجرة: تأييد الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم، الشيخ السيد مراد سلامة مقال على الألوكة.