يقول أحمد بن داود:
«دَخَلْتُ عَلَى أَحْمَدَ الْحَبْسَ قَبْلَ الضَّرْبِ، فَقُلْتُ لَهُ فِي بَعْضِ كَلَامِي: «يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! عَلَيْكَ عِيَالٌ، وَلَكَ صِبْيَانٌ، وَأَنْتَ مَعْذُورٌ» -كَأَنِّي أُسَهِّلُ عَلَيْهِ الْإِجَابَةَ- فَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «إِنْ كَانَ هَذَا عَقْلُكَ يَا أَبَا سَعِيدٍ، فَقَدِ اسْتَرَحْتَ».»
«إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد، فقد استرحت»: هذه العبارة تحمل عتاباً شديداً وإنكاراً بليغاً من الإمام أحمد لصاحبه. ومعناها: لو كان تفكيرك وعقلك يقتصر على النظر إلى الراحة الدنيوية، والاعتذار بالزوجة والأولاد لترك الصدع بالحق، لكان عقلك عاجزاً ومستريحاً من حمل همّ الدين والأمة! لقد أراد الإمام أحمد أن يبين له أن القدوة والعالِم الذي تقتدي به الأمة لا يجوز له أن يأخذ بالرخصة في مواطن الفتنة التي تضل فيها العامة، لأن ثباته ثبات للأمة، وسقوطه سقوط لها، حتى وإن كان وراءه أطفال وعيال.