[ 31 ]
زادَت هُمومٌ فَماءُ العَينِ مُنحَدِرُ
سَحّاً إِذا أَغرَقَتهُ عَبرَةٌ دِرَرُ
وَجداً بِشَعثاءَ إِذ شَعثاءُ بَهكَنَةٌ
هَيفاءُ لا دَنَسٌ فيها وَلا خَوَرُ
دَع عَنكَ شَعثاءَ إِذ كانَت مَوَدَّتُها
نَزراً وَشَرُّ وِصالِ الواصِلِ النَزِرُ
وَأتِ الرَسولَ فَقُل يا خَيرَ مُؤتَمَنٍ
لِلمُؤمِنينَ إِذا ما عُدِّلَ البَشَرُ
عَلامَ تُدعى سُلَيمٌ وَهيَ نازِحَةٌ
أَمامَ قَومٍ هُمُ آوَوا وَهُم نَصَروا
سَمّاهُمُ اللَهُ أَنصاراً لِنَصرِهِمِ
دينَ الهُدى وَعَوانُ الحَربِ تَستَعِرُ
وَجاهَدوا في سَبيلِ اللَهِ وَاِعتَرَفوا
لِلنائِباتِ فَما خاموا وَما ضَجِروا
وَالناسُ أَلبٌ عَلَينا ثَمَّ لَيسَ لَنا
إِلّا السُيوفَ وَأَطرافَ القَنا وَزَرُ
نُجالِدُ الناسَ لا نُبقي عَلى أَحَدٍ
وَلا نُضَيِّعُ ما توحي بِهِ السُوَرُ
وَلا يَهِرُّ جَنابَ الحَربِ مَجلِسُنا
وَنَحنُ حينَ تَلَظّى نارُها سُعُرُ
وَكَم رَدَدنا بِبَدرٍ دونَ ما طَلَبوا
أَهلَ النِفاقِ وَفينا أُنزِلَ الظَفَرُ
وَنَحنُ جُندُكَ يَومَ النَعفِ مِن أُحُدٍ
إِذ حَزَّبَت بَطَراً أَشياعَها مُضَرُ
فَما وَنينا وَما خِمنا وَما خَبَروا
مِنّا عِثاراً وَجُلُّ القَومِ قَد عَثَروا
[ 32 ]
لَستَ إِلى عَمرٍ وَلا المَرءِ مُنذِرٍ
إِذا ما مَطايا القَومِ أَصبَحنَ ضُمَّرا
تَمَنّى ضِرارٌ وَالأَمانِيُّ جَمَّةٌ
مُنى الجَهلِ أَن يَلقى بِضَجنانَ مُنذِرا
فَلَيتَ وَرَبِّ الراقِصاتِ إِلى مِنىً
خَوارِجَ مِن نَقفِ الكُديدينِ ضُمَّرا
فَدَع عَنكَ سَعداً إِنَّ سَعداً وَمُنذِراً
سَواءٌ إِذا شَدّا لِحَربِكَ مِئزَرا
فَلَولا أَبو وَهبٍ لَمَرَّت قَصائِدٌ
عَلى شَرَفِ البَلقاءِ يَهوينَ حُسَّرا
فَإِنّا وَمَن يُهدي القَصائِدَ نَحوَنا
كَمُستَبضِعٍ تَمراً إِلى أَهلِ خَيبَرا
فَلا تَكُ كَالوَسنانِ يَحلُمُ أَنَّهُ
بِقَريَةِ كِسرى أَو بِقَريَةِ قَيصَرا
وَلا تَكُ كَالثَكلى وَكانَت بِمَعزِلٍ
عَنِ الثُكلِ لَو كانَ الفُؤادُ تَفَكَّرا
وَلا تَكُ كَالشاةِ الَّتي كانَ حَتفُها
بِحَفرِ ذِراعَيها فَلَم تَرضَ مَحفَرا
وَلا تَكُ كَالغاوي فَأَقبَلَ نَحرَهُ
وَلَم يَخشَهُ سَهماً مِنَ النَبلِ مُضمَرا
أَتَفخَرُ بِالكَتّانِ لَمّا لَبِستَهُ
وَقَد يَلبَسُ الأَنباطُ رَيطاً مُقَصَّرا
[ 33 ]
حارِ بنَ كَعبٍ أَلا الأَحلامُ تَزجُرُكُم
عَنّي وَأَنتُم مِنَ الجوفِ الجَماخيرِ
لا عَيبَ بِالقَومِ مِن طولٍ وَلا عِظَمٍ
جُسمُ البِغالِ وَأَحلامُ العَصافيرِ
كَأَنَّهُم قَصَبٌ جوفٌ مُكاسِرُهُ
مُثَقَّبٌ فيهِ أَرواحُ الأَعاصيرِ
أَلا طِعانٌ أَلا فُرسانُ عادِيَةٍ
إِلّا تُجَشُّؤُكُم حَولَ التَنانيرِ
دَعوا التَخاجُؤَ وَاِمشوا مِشيَةً سُجُحاً
إِنَّ الرِجالَ ذَوُو عُصبٍ وَتَذكيرِ
لا يَنفُعُ الطولُ مِن نوكِ القُلوبِ وَلا
يَهدي الإِلَهُ سَبيلَ المَعشَرِ البورِ
إِنّي سَأَنصُرُ عِرضي مِن سَراتِكُمُ
إِنَّ الحَماسَ نَسِيٌّ غَيرُ مَذكورِ
أَلفى أَباهُ وَأَلفى جَدَّهُ حُبِسا
بِمَعزِلٍ عَن مَعالي المَجدِ وَالخيرِ
[ 34 ]
أَبَني الحِماسِ أَلَيسَ مِنكُم ماجِدٌ
إِنَّ المُروءَةَ في الحِماسِ قَليلُ
يا وَيلَ أُمِّكُمُ وَوَيلَ أَبيكُمُ
وَيلاً تَرَدَّدَ فيكُمُ وَعَويلُ
هَيَّجتُمُ حَسّانَ عِندَ ذَكائِهِ
غَيٌّ لِمَن وَلَدَ الحِماسُ طَويلُ
إِنَّ الحِجاءَ إِلَيكُمُ لَبِعِلَّةٍ
فَتَحَشحَشوا إِنَّ الذَليلَ ذَليلُ
لا تَجزَعوا أَن تُنسَبوا لِأَبيكُمُ
فَاللُؤمُ يَبقى وَالجِبالُ تَزولُ
فَبَنو زِيادٍ لَم تَلِدكَ فُحولُهُم
وَبَنو صَلاءَةَ فَحلُهُم مَشغولُ
وَسَرى بِكُم تَيسٌ أَجَمُّ مُجَذَّرٌ
ما لِلدَمامَةِ عَنكُمُ تَحويلُ
فَاللُؤمُ حَلَّ عَلى الحَماسِ فَما لَهُم
كَهلٌ يَسودُ وَلا فَتىً بُهلولُ
[ 35 ]
ما بالُ عَينِكَ لا تَرقا مَدامِعُها
سَحّاً عَلى الصَدرِ مِثلَ اللُؤلُؤِ القَلِقِ
عَلى خُبَيبٍ وَفي الرَحمَنِ مَصرَعُهُ
لا فاشِلٍ حينَ تَلقاهُ وَلا نَزِقِ
فَاِذهَب خُبَيبُ جَزاكَ اللَهُ طَيِّبَةً
وَجَنَّةَ الخُلدِ عِندَ الحورِ في الرُفُقِ
ماذا تَقولونَ إِن قالَ النَبِيُّ لَكُم
حينَ المَلائِكَةُ الأَبرارُ في الأُفُقِ
فيمَ قَتَلتُم شَهيدَ اللَهِ في رَجُلٍ
طاغٍ قَدِ اِوعَثَ في البُلدانِ وَالطُرُقِ
أَبا إِهابٍ فَبَيِّن لي حَديثَكُمُ
أَينَ الغَزالُ مُحَلّى الدُرِّ وَالوَرِقِ
لا تَذكُرَنَّ إِذا ما كُنتَ مُفتَخِراً
أَبا كُثَيبَةَ قَد أَسرَفتَ في الحُمُقِ
وَلا عَزيزاً فَإِنَّ الغَدرَ مَنقَصَةٌ
إِنَّ عَزيزاً دَقيقُ النَفسِ وَالخُلُقِ
[ 35 ]
لِلَّهِ دَرُّ عِصابَةٍ لاقَيتَهُم
يا اِبنَ الحُقَيقِ وَأَنتَ يا اِبنَ الأَشرَفِ
يَسرونَ بِالبيضِ الخِفافِ إِلَيكُمُ
بَطَراً كَأُسدٍ في عَرينِ مُغرِفِ
حَتّى أَتَوكُم في مَحَلِّ بِلادِكُم
فَسَقَوكُمُ حَتفاً بِبيضٍ قَرقَفِ
مُستَبصِرينَ بِنَصرِ دينِ نَبِيِّهِم
مُستَصغِرينَ لِكُلِّ أَمرٍ مُجحِفِ
[ 36 ]
أَمسى الفَتى عَمروُ بنُ عَبدٍ ثاوِياً
بِجَنوبِ سَلعٍ ثارُهُ لَم يُنظَرِ
وَلَقَد وَجَدتَ سُيوفَنا مَشهورَةً
وَلَقَد وَجَدتَ جِيادَنا لَم تُقصِرِ
وَلَقَد لَقيتَ غَداةَ بَدرٍ عُصبَةً
ضَرَبوكَ ضَرباً غَيرَ ضَربِ الحُسَّرِ
أَصبَحتَ لا تُدعى لِيَومِ عَظيمَةٍ
يا عَمروُ أَو لِجَسيمِ أَمرٍ مُنكَرِ
[ 37 ]
أَبلِغ عُبَيداً بِأَنَّ الفَخرَ مَنقَصَةٌ
في الصالِحينَ فَلا يَذهَب بِكَ الجَذَلُ
لَمّا رَأَيتُ بَني عَوفٍ وَإِخوَتَهُم
كَعباً وَجَمعَ بَني النَجّارِ قَد حَفَلوا
قَومٌ أَباحوا حِماكُم بِالسُيوفِ وَلَم
يَفعَل بِكُم أَحَدٌ في الناسِ ما فَعَلوا
إِذ أَنتُمُ لا تُجيبونَ المُضافَ وَإِذ
تُلقى خِلالَ الدِيارِ الكاعِبُ الفُضُلُ
[ 38 ]
لَقَد جُدِعَت آذانُ كَعبٍ وَعامِرٍ
بِقَتلِ اِبنِ عَبدٍ ثُمَّ خُرَّت أُنوفُها
فَوَلَّت نَطيحاً كَبشُها وَجُموعُها
ثُباتٍ عِزينَ ما تُلامُ صُفوفُها
وَحانَ اِبنُ عَبدٍ إِذ هَوى في رِماحِنا
كَذاكَ المَنايا حَينُها وَحُتوفُها
أُصَيبَت بِهِ فِهرٌ فَلا اِنجَبَرَت لَها
مَصائِبُ بادٍ حَرُّها وَشَفيفُها
وَبَعدُ فَلا تَنفَكُّ تَنزِلُ بَينَهُم
قَوارِعُ ذُلٍّ لا تُرَدُّ صُروفُها
وَأُخرى بِبَدرٍ خابَ فيها رَجاؤُهُم
فَلَم تُغنِ عَنها نَبلُها وَسُيوفُها
وَأُخرى وَشيكاً لَيسَ فيها تَحَوَّلٌ
يُصِمُّ المُنادي جَرسُها وَحَفيفُها
[ 39 ]
إِيّاكَ إِنّي قَد كَبِرتُ وَغالَني
عَنكَ الغَوائِلُ قَبلَ شَيبِ المَكبَرِ
فَجَعَلتَني غَرَضَ اللِئامِ فَكُلُّهُم
يَرمي بِلُؤمِهِ بالِغاً كَمُقَصِّرِ
عَنّي تَضِبُّ لِثاتُكُم فَغَدَت بِكُم
سَوداءَ أَصلُ فُروعِها كَالعُنقُرِ
أَجَزَرتَهُم عِرضي تَهَكَّمُ سادِراً
ثَكِلَتكَ أُمُّكَ غَيرَ عِرضي أَجزِرِ
هَدَفٌ تَعاوَرَهُ الرُماةُ كَأَنَّما
يَرمونَ جَندَلَةً بِعُرضِ المَشعَرِ
[ 40 ]
لَقَد عَلِمَت قُرَيشٌ يَومَ بَدرٍ
غَداةَ الأَسرِ وَالقَتلِ الشَديدِ
بِأَنّا حينَ تَشتَجِرُ العَوالي
حُماةُ الرَوعِ يَومَ أَبي الوَليدِ
قَتَلنا اِبنَي رَبيعَةَ يَومَ ساروا
إِلَينا في مُضاعَفَةِ الحَديدِ
وَفَرَّ بِها حَكيمٌ يَومَ جالَت
بَنو النَجّارِ تَخطِرُ كَالأُسودِ
وَوَلَّت عِندَ ذاكَ جُموعُ فِهرٍ
وَأَسلَمَها الحُوَيرِثُ مِن بَعيدِ
لَقَد لاقَيتُمُ خِزياً وَذُلّاً
جَهيزاً باقِياً تَحتَ الوَريدِ
وَكانَ القَومُ قَد وَلَّوا جَميعاً
وَلَم يَلوُوا عَلى الحَسَبِ التَليدِ
[ 41 ]
صَلّى الإِلَهُ عَلى الَّذينَ تَتابَعوا
يَومَ الرَجيعِ فَأُكرِموا وَأُثيبوا
رَأسُ الكَتيبَةِ مَرثَدٌ وَأَميرُهُم
إِبنُ البُكَيرِ أَمامَهُم وَخَبيبُ
وَاِبنٌ لِطارِقَ وَاِبنُ دَثنَةَ فيهِمِ
وافاهُ ثَمَّ حِمامُهُ المَكتوبُ
مَنَعَ المَقادَةَ أَنْ يَنالوا ظَهرَهُ
حَتّى يُجالِدَ إِنَّهُ لَنَجيبُ
وَالعاصِمُ المَقتولُ عِندَ رَجيعِهِم
كَسَبَ المَعالي إِنَّهُ لَكَسوبُ
[ 42 ]
سُقتُم كِنانَةَ جَهلاً مِن عَداوَتِكُم
إِلى الرَسولِ فَجُندُ اللَهِ مُخزيها
أَورَدتُموها حِياضَ المَوتِ ضاحِيَةً
فَالنارُ مَوعِدُها وَالقَتلُ لاقيها
أَنتُم أَحابيشُ جُمِّعتُم بِلا نَسَبٍ
أَإِمَّةُ الكُفرِ غَرَّتكُم طَواغيها
هَلّا اِعتَبَرتُم بِخَيلِ اللَهِ إِذ لَقِيَت
أَهلَ القَليبِ وَمَن أَردَينَهُ فيها
كَم مِن أَسيرٍ فَكَكناهُ بِلا ثَمَنٍ
وَجَزِّ ناصِيَةٍ كُنّا مَواليها
[ 43 ]
إِذا اللَهُ حَيّا مَعشَراً بِفِعالِهِم
وَنَصرِهِمِ الرَحمَنَ رَبَّ المَشارِقِ
فَأَهلَكَ رَبّي يا عُتَيبَ بنَ مالِكٍ
وَلَقّاكَ قَبلَ المَوتِ إِحدى الصَواعِقِ
بَسَطتَ يَميناً لِلنَبِيِّ بِرَميَةٍ
فَأَدمَيتَ فاهُ قُطِّعَت بِالبَوارِقِ
فَهَلّا خَشيتَ اللَهَ وَالمَنزِلَ الَّذي
تَصيرُ إِلَيهِ بَعدَ إِحدى الصَفائِقِ
لَقَد كانَ خِزياً في الحَياةِ لِقَومِهِ
وَفي البَعثِ بَعدَ المَوتِ إِحدى العَوالِقِ
فَمَن عاذِري مِن عَبدِ عُذرَةَ بَعدَما
هَوى في دَجوجِيٍّ مِنَ البَحرِ خافِقِ