«عن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» .
1️⃣ حكم اجتناب الشبهات من حيث الوجوب والاستحباب
نقل ابن حجر في فتح الباري (1/127) والنووي في شرح صحيح مسلم (11/27) أنّ جمهور العلماء على أنّ اجتناب الشبهات مستحب ديانةً وورعاً وليس واجباً مطلقاً، إلا إذا كانت الشبهة تؤدي غالباً إلى الوقوع في الحرام فتأخذ حينئذٍ حكم التحريم سدّاً للذريعة، وذكر ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام (1/137) تقرير هذا المعنى.
2️⃣ قاعدة سدّ الذرائع ومنع الوسائل المؤدية للحرام
دل الحديث على أصل فقهي معتبر وهو منع الوسائل المفضية إلى الحرام؛ لأن من تكرر وقوعه في الشبهات قاده ذلك إلى الحرام، وهو ما قرره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص 77) وعدّه العلماء أصلاً في باب سدّ الذرائع، وذكره الشاطبي في الموافقات (2/21) تحت دليل الورع المشروع.
3️⃣ اعتبار الشبهة سبباً لترك بعض المعاملات والعقود
استدل الفقهاء بالحديث على استحباب ترك العقود والمعاملات التي يحيط بها الشك في الحلّ، خصوصاً في أبواب البيوع والربا؛ لأن السلامة في الدين مقدّمة، وهذا ما قرره النووي في الأربعين النووية بشرحها (حديث رقم 6)، ونقله ابن حجر في فتح الباري.
4️⃣ أن الأصل في المسلم مراعاة حماية عرضه ودينه
قرّر العلماء أن الحديث أصل فقهي في أنّ الورع عن الشبهات يحفظ الدين والعرض معاً، وأن الوقوع فيها يقدح في العدالة أو المروءة عند المبالغة في التساهل، كما نص على ذلك ابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص 79) والنووي في شرح الأربعين.
5️⃣ التفريق بين الشبهات الظاهرة والشبهات الخفية
ذكر العلماء – كما في فتح الباري وشرح النووي على مسلم – أنّ الشبهات قسمان:
• شبهات يعلمها العلماء ويجهلها كثير من الناس، فيكون حكمها مبنياً على أهل الاختصاص.
• وشبهات دقيقة لا يدركها إلا أهل التحقيق، وهذا أصل فقهي في ردّ الناس إلى أهل العلم عند التباس الأحكام.
6️⃣ أن سلامة القلب أصل لصحة العمل الفقهي والتكليف الشرعي
استنبط الفقهاء من خاتمة الحديث أن القلب أصل في صلاح العمل، وأن الانحراف العقدي أو الأخلاقي يؤثر في صحة السلوك والتكليف؛ ولذلك جعل العلماء هذا الحديث أصلاً في باب “أعمال القلوب” المؤثرة على الأحكام، كما في جامع العلوم والحكم وشرح مسلم للنووي.
7️⃣ اعتماد الحديث أصلاً من أصول القواعد الفقهية
قرره العلماء ضمن القواعد الكلية الكبرى، ومن أشهر ما بني عليه:
«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» و«الاحتياط في الدين مطلوب»، وقد نص ابن رجب على أنه حديث عظيم من أصول الشريعة في باب التحليل والتحريم (جامع العلوم والحكم ص 75)، وذكره الشاطبي ضمن قواعد المقاصد.