عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنهما قَالَ: ((رَقِيْتُ يَوْماً عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ , فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الشَّامَ , مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةَ)) . وَفِي رِوَايَةٍ ((مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ الْمَقْدِسِ))
الأحكام الفقهية المستنبطة من هذا الحديث:
1. حكم استقبال القبلة واستدبارها في الفضاء والبنيان
اختلف الفقهاء في حكم الاستقبال والاستدبار بناءً على تعارض هذا الحديث مع حديث أبي أيوب الأنصاري (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها):
المذهب الأول (التحريم مطلقاً): ذهب الحنفية والإمام أحمد في رواية إلى تحريم استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط، سواء كان ذلك في الصحراء (الفضاء) أو في البنيان، واعتبروا حديث ابن عمر واقعة عين لا تعارض النهي العام.
المذهب الثاني (الجواز في البنيان والتحريم في الفضاء): وهو قول الشافعية والمالكية والرواية المشهورة عن الإمام أحمد، وهو التفريق بين الفضاء والبنيان؛ فيحرم في الفضاء ويجوز في البنيان (مثل بيوت الخلاء)، واستدلوا بحديث ابن عمر هذا لأنه كان "على بيت حفصة" أي في بنيان.
المذهب الثالث (الجواز مطلقاً): وهو قول عائشة وربيعة بن أبي عبد الرحمن، حيث رأوا أن النهي منسوخ بفعل النبي ﷺ الذي رآه ابن عمر.
2. حكم استدبار الكعبة
الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة): استنبطوا من قول ابن عمر "مستدبر الكعبة" أن حكم الاستدبار كحكم الاستقبال في المنع أو الجواز، فمن منع الاستقبال منع الاستدبار.
أبو حنيفة: يرى في رواية عنه أن الاستدبار أهون من الاستقبال، لكن المعتمد في المذهب هو التسوية بينهما في الكراهة التحريمية.
3. جواز الصعود فوق بيوت الآخرين للمصلحة أو بغير قصد التجسس
اتفق الفقهاء على جواز ما فعله ابن عمر من الرقي فوق بيت أخته حفصة رضي الله عنها، واستنبطوا منه جواز ارتقاء السطوح لغرض صحيح، وأن ما يقع عليه البصر بغير قصد من عورات لا إثم فيه، ما لم يتعمد التجسس.
4. طهارة ما يخرج من النبي ﷺ
استدل بعض فقهاء الشافعية من هذا الحديث على طهارة فضلات النبي ﷺ، ووجه الاستدلال أن ابن عمر رآه وهو يقضي حاجته ولم يذكر تقذراً أو نجاسة، وإن كان الجمهور على أن هذا الفعل منه ﷺ لبيان الجواز التشريعي وليس دليلاً على طهارة الخارج.
5. جواز اطلاع الصغير على ما لا يجوز للكبير
ذكر ابن حجر في "فتح الباري" أن ابن عمر كان حينذاك صغيراً قريباً من البلوغ أو مراهقاً، فاستنبط بعض الفقهاء جواز رؤية الصغير لبعض ما يستره الكبير، وأن رؤية ابن عمر كانت اتفاقية (غير مقصودة) وهو ما سوغ نقلها لبيان الحكم الشرعي.