عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: ((أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ الْمَسْجِدَ , فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى , ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ , فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ. فَرَجَعَ فَصَلَّى كَمَا صَلَّى , ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ , فَإِنَّك ⦗٧٩⦘ لَمْ تُصَلِّ - ثَلاثاً - فَقَالَ: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لا أُحْسِنُ غَيْرَهُ , فَعَلِّمْنِي , فَقَالَ: إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ , ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ , ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً , ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِماً , ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً, ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً. وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا))
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
1. وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود والرفع منهما والجلسة بين السجدتين
دل تكرار لفظ ((حَتَّى تَطْمَئِنَّ)) و ((حَتَّى تَعْتَدِلَ)) على وجوب الاستقرار وسكون الأعضاء في أفعال الصلاة الانتقالية.
قول الجمهور (المالكية، والشافعية، والحنابلة، وأبو يوسف من الحنيفة): الطمأنينة ركن من أركان الصلاة، فرضٌ لا تصح الصلاة بدونها، ومن تركها بطلت صلاته ويجب عليه إعادتها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفى الصلاة عمن تركها بقوله: ((فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ)).
قول الحنفية (المعتمد في المذهب): الطمأنينة والاعتدال سنة مؤكدة (وفي رواية واجبة وجوباً مذهبياً يأثم تاركه وتجب عليه الإعادة، لكنها ليست فرضاً عيناً تبطل الصلاة بتركه عمداً)، فالركوع والسجود المفترض في القرآن هو مطلق الانحناء والوضع، والحديث هنا عندهم خبر آحاد لا ينسخ الكتاب ولا يزاد به على الفرض القطعي.
2. حكم قراءة الفاتحة في الصلاة
أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ)).
قول الجمهور (المالكية، والشافعية، والحنابلة): قراءة سورة الفاتحة بخصوصها ركن وفرض في الصلاة لا تصح إلا بها، وحملوا قوله "ما تيسر" على الفاتحة لورود الأحاديث الأخرى المفسرة والمقيدة كـ "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
قول الحنفية: الفرض هو قراءة أي شيء تيسر من القرآن (ولو آية واحدة قصيرة)؛ تعظيماً لظاهر اللفظ في الحديث والموافق لقوله تعالى {فاقرؤوا ما تيسر من القرآن}، أما تعيين الفاتحة بخصوصها فهو واجب وليس بفرض، فمن ترك الفاتحة وقرأ غيرها أثم وصحت صلاته.
3. وجوب تكبيرة الإحرام
دل قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ)) على فرضية الاستفتاح بالتكبير.
اتفاق الفقهاء: اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أن تكبيرة الإحرام فرض وركن من أركان الصلاة لا تنعقد الصلاة بدونها.
4. وجوب الرفع من الركوع والاعتدال قائماً
دل قوله صلى الله عليه وسلم: ((ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِماً)).
قول الجمهور (المالكية، والشافعية، والحنابلة): الرفع من الركوع والاعتدال عنه قائماً ركنان مستقلان من أركان الصلاة لا تصح الصلاة بتركهما عمداً أو سهواً.
قول الحنفية: الرفع من الركوع والاعتدال قائماً سنة مؤكدة (وفي قول واجب وليس بركن)، فلو ركع ثم أهوى مباشرة إلى السجود دون أن يستوي قائماً أجزأه وصحت صلاته مع الإساءة والكراهة التحريمية.
5. وجوب الجلوس بين السجدتين
دل قوله صلى الله عليه وسلم: ((ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً)).
قول الجمهور (المالكية، والشافعية، والحنابلة): الجلوس بين السجدتين ركن فرض من أركان الصلاة تبطل الصلاة بتركه تعمداً.
قول الحنفية: الجلوس بين السجدتين ليس بركن فرض، بل هو سنة مؤكدة (وفي قول واجب)، فلو رفع رأسه من السجدة الأولى ولم يجلس مستوياً بل سجد الثانية مباشرة، فصلاته صحيحة مجزئة مع الكراهة التحريمية.
6. وجوب الترتيب بين أركان الصلاة
أتى الحديث بلفظ "ثم" التعقيبية والتراخية في قوله: ((ثُمَّ ارْكَعْ... ثُمَّ ارْفَعْ... ثُمَّ اُسْجُدْ...)).
اتفاق الفقهاء: اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على وجوب الترتيب بين أفعال الصلاة (التقديم والتعقيب كما جاء في الحديث)، فلو سجد قبل أن يركع عمداً بطلت صلاته، وإن كان سهواً ألغى السجود وأتى بالقول والفعل المرتب.
7. وجوب النية للصلاة
أُخذ من قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلاةِ)).
اتفاق الفقهاء: اتفق الفقهاء على أن النية شرط أو ركن لصحة الصلاة، فلا تصح الصلاة ولا تنعقد إلا بنية القصد والتعيين للصلاة المفروضة أو النافلة.
8. وجوب تكرار الأركان في جميع الركعات
دل قوله صلى الله عليه وسلم في ختام الحديث: ((وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا)).
اتفاق الفقهاء: اتفق الفقهاء على أن ما وجب في الركعة الأولى من ركوع وسجود وطمأنينة وقراءة هو واجب وفرض في سائر ركعات الصلاة كلها، ولا يجزئ فعلها في بعض الركعات دون بعض.