عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ , يُطَوِّلُ فِي الأُولَى , وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ , وَيُسْمِعُ الآيَةَ أَحْيَاناً، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ يُطَوِّلُ فِي الأُولَى , وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ ⦗٨٠⦘ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ. وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ , وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ)) .
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
أولاً: وجوب قراءة فاتحة الكتاب في الركعتين الأوليين من صلاتي الظهر والعصر
الحكم: هذا الفرع مجمع عليه بين المذاهب الأربعة في الجملة (وإن اختلفوا في ركنيتها في كل ركعة، لكنهم اتفقوا على مشروعيتها هنا)، ولذلك نكتفي بذكر الفرع دون التعرض للمذاهب.
ثانياً: مشروعية قراءة سورة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر
الحكم: اتفق الفقهاء على مشروعية قراءة سورة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر والعصر وصلاة الصبح، ولم يخالف في ذلك أحد من الأئمة المعتبرين.
ثالثاً: استحباب تطويل الركعة الأولى على الركعة الثانية في الصلاة
أقوال الفقهاء:
الجمهور (المالكية، الشافعية، والحنابلة): يستحب تطويل الركعة الأولى على الثانية في جميع الصلوات (الظهر، العصر، الصبح، المغرب، والعشاء)؛ لظاهر حديث أبي قتادة: «يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ».
الحنفية: قالوا بالاستواء بين الركعتين الأوليين في القراءة في صلوات الفرض كلها، إلا في صلاة الفجر خاصة فيستحب فيها تطويل الأولى على الثانية لإدراك الوارد، أما في بقية الصلوات فكرهوا التطويل بغير السور المأثورة مخرّجين ذلك على أن الأصل هو التساوي.
رابعاً: حكم الجهر ببعض الآيات أحياناً في الصلاة السرية
أقوال الفقهاء:
الشافعية والحنابلة: يستحب للإمام أن يُسمع المأمومين الآية أحياناً في الصلاة السرية (كالظهر والعصر)؛ لقوله: «وَيُسْمِعُ الآيَةَ أَحْيَاناً»، ليعلموا أنه يقرأ، أو لبيان جواز ذلك.
المالكية والحنفية: قالوا بأن الأصل في صلاة النهار الإسرار التام، والجهر فيها مكروه، وتأولوا ما جاء في الحديث بأنه صلى الله عليه وسلم إنما جهر غلبةً، أو لبيان جواز الجهر، أو أنه كان يجهر لنفسه فتدنو منه الآية فيسمعونها، ولم يقصد الإسماع؛ مستدلين بأحاديث أخرى تأمر بالإسرار في صلاة النهار.
خامساً: اقتصر القراءة في الركعتين الأخريين (الثالثة والرابعة) على فاتحة الكتاب دون سورة
أقوال الفقهاء:
الجمهور (الشافعية في الأصح، والحنابلة، والمالكية في المشهور): لا تُشرع قراءة سورة بعد الفاتحة في الركعتين الأخيرتين من الظهر والعصر (وكذا المغرب والعشاء)، بل يقتصر المصلي على أم الكتاب فقط؛ عملاً بظاهر الحديث: «وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ».
الحنفية: يرون أن المصلي في الأخريين مخير؛ إن شاء قرأ الفاتحة، وإن شاء سبّح، وإن شاء سكت، وإن كانت القراءة أفضل.
وجه آخر (وهو قول عند الشافعية والرواية الأخرى عن أحمد): يستحب قراءة سورة قصيرة بعد الفاتحة في الأخريين أحياناً، لحديث أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الأخريين قدر خمس عشرة آية، وجمعوا بين الحديثين بأن حديث أبي قتادة يدل على الأغلب وحديث أبي سعيد يدل على الجواز أحياناً