عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: ((إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ , فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ. فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ. فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ))
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
1. مشروعية دفع المار بين يدي المصلي
دلّ الحديث بمنطوقه على مشروعية منع المرور بين يدي المصلي إذا كان متخذاً سترة.
مواضع الاتفاق: اتفقت المذاهب الأربعة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة) على مشروعية دفع المصلي لمن أراد الاجتياز بين يديه إذا كان يصلي إلى سترة؛ صيانةً لصلاته من النقص والخلل. (ينظر: "الاستذكار" لابن عبد البر، "شرح صحيح مسلم" للنووي).
2. حكم دفع المار (هل هو واجب أم مستحب؟)
اختلف الفقهاء في الأمر الوارد في قوله ﷺ: "فليمنعه" و"فليقاتله" هل يفيد الوجوب أم الندب؟
الشافعية والحنابلة وهو المعتمد عند الحنفية والمالكية: أن الدفع مستحبٌّ وليس بواجب؛ لأن الأمر هنا للإرشاد وصيانة الصلاة، ولأن الصلاة لا تبطل بمروره عند جمهور العلماء فلم يجب الدفع، والقول بالوجوب جاء في رواية عن الإمام أحمد وقول لبعض أهل الظاهر. (ينظر: "فتح الباري" لابن حجر، "المغني" لابن قدامة، "رد المحتار" لابن عابدين).
3. صفة وكيفية الدفع (الأسهل فالأسهل)
دلّ قوله ﷺ: "فإن أبى فليقاتله" على التدرج في المنع، واختلف الفقهاء في كيفية هذا الدفع وصفته:
الجمهور (المالكية، والشافعية، والحنابلة): يجب التدرج بالأسهل فالأسهل؛ فيبدأ المصلي بالإشارة، ثم بالتسبيح (أو القراءة للجهر بها)، ثم بالدفع اللطيف باليد، فإن أبى المار ولجّ فله أن يدفعه بقوة أشد (المقاتلة)، ولا يجوز البدء بالدفع الشديد ابتداءً لئلا يفسد صلاته بالعمل الكثير.
الحنفية: يرى الحنفية أنه يقتصر على أحد أمرين: إما الإشارة باليد أو الرأس، وإما التسبيح، ويكره عندهم الجمع بينهما، كما يكره الدفع العنيف باليد لأنه عمل مستقبح في الصلاة وينافي الخشوع. (ينظر: "المجموع" للنووي، "كشاف القناع" للبهوتي، "فتح القدير" لابن الهمام).
4. المراد بـ "المقاتلة" وحدود الجناية على المار
اختلف الفقهاء في تفسير قوله ﷺ: "فليقاتله" وهل يضمن المصلي ما يتلف من المار بسبب الدفع الشديد؟
الشافعية والحنابلة: المراد بالمقاتلة المدافعة الشديدة، وإذا اشتد الدفع وتدرج فيه المصلي سقط ضمان ما يتلف من المار؛ لأنه هدر كدفع الصائل (المعتدي).
الحنفية والمالكية: المراد بالمقاتلة المدافعة اللطيفة باليد، أو هو مجاز غايته التغليظ والزجر، ولا يجوز الدفع المؤدي إلى العراك أو الضرب؛ لأن الفعل الكثير يفسد الصلاة، وعلى هذا لو أذاه أو أتلف شيئاً منه لزمه الضمان والقود. (ينظر: "عمدة القاري" للعيني، "المنتقى شرح الموطأ" للباجي، "مغني المحتاج" للشربيني).
5. اشتراط اتخاذ السترة لمشروعية الدفع
أخذ الفقهاء من قوله ﷺ: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس" حكماً في مشروعية دفع المار إذا قصر المصلي في اتخاذ السترة:
المالكية والشافعية والحنابلة: للمصلي أن يدفع المار سواء اتخذ سترة أو لم يتخذها، وإن كان آثماً بترك السترة في بعض الأحوال، لكن النص نص على السترة لأنها الغالب.
الحنفية: لا يشرع للمصلي دفع المار إذا لم يكن متخذاً سترة، لأنه هو المفرط والمقصر بصلاته في الممر فلا يجمع على المار المنع والدفع. (ينظر: "التبصرة" للخمي، "نهاية المحتاج" للرملي، "البحر الرائق" لابن نجيم).
6. جواز العمل اليسير في الصلاة لمصلحتها
دلّ الحديث على مشروعية حركة المصلي لدفع المار.
مواضع الاتفاق: اتفقت المذاهب الأربعة على جواز العمل اليسير والحركة الخفيفة في الصلاة (كالإشارة أو مد اليد بالدفع) إذا كان ذلك لمصلحة الصلاة ودفع النقص عنها، وأن مثل هذه الحركة المغتفرة لا تبطل الصلاة. (ينظر: "شرح معاني الآثار" للطحاوي، "المغني" لابن قدامة).