الإشعارات
مسح الكل

شرح كتاب عمدة الأحكام ـ الحديث المائة و خمسة


يوسف هشام
(@user550751)
Honorable Member
انضم: مند 9 أشهر
المشاركات: 223
بداية الموضوع  

عَنْ أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ ⦗٨٦⦘ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الإِثْمِ؟ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ)) . قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لا أَدْرِي: قَالَ أَرْبَعِينَ يَوْماً أَوْ شَهْراً أَوْ سَنَةً



الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:


1. تحريم المرور بين يدي المصلي

دلّ الحديث دلالةً واضحة على تحريم المرور بين يدي المصلي إذا لم يكن بين يديه سُترة؛ وذلك لعظم الوعيد المرتب عليه بلفظ "الإثم".

مواضع الاتفاق: اتفقت المذاهب الأربعة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة) على أن المرور بين يدي المصلي المنفرد أو الإمام في الجملة أمرٌ غير جائز، وجاء في "الاستذكار" لابن عبد البر و"شرح نووي على مسلم" نقل الإجماع على أصل المنع والتحريم، فلم يختلفوا في أصل الحكم.

2. المسافة التي يُمنع المرور فيها بين يدي المصلي

اختلف الفقهاء في تحديد المسافة التي يُعدّ المارُّ فيها "بين يدي المصلي" ويأثم بمروره إذا لم يكن للمصلي سُترة:

الحنفية: حدّدوها بموضع السجود في الصلوات القائمة، وفي المساجد الكبيرة وعرصات الفضاء بما لا يقع بصر المصلي عليه لو نظر بموضع سجوده (وقُدِّرت بنحو ثلاثة أذرع من قدمه).

المالكية والشافعية والحنابلة: حدّدوها بمسافة ما بين قدمي المصلي إلى موضع سجوده، فما كان وراء موضع السجود فلا يُمنع المرور فيه. (يُنظر: "رد المحتار" لابن عابدين، "مغني المحتاج" للشربيني، "كشاف القناع" للبهوتي).

3. اتخاذ السُّترة للمصلي

دلّ الحديث بمفهومه على مشروعية اتخاذ السترة ليدفع عن نفسه وعن المارين هذا الإثم.

مواضع الاتفاق: اتفقت المذاهب الفقهية الأربعة على أن اتخاذ السترة مستحبٌّ ومشروع للمصلي (الإمام والمنفرد) إذا خشي مرور أحدٍ بين يديه، وليس بواجب. (يُنظر: "المجموع" للنووي، "المغني" لابن قدامة).

4. حكم المرور بين يدي المأموم (خلف الإمام)

دلّ الحديث على منع المرور بين يدي "المصلي"، واختلف الفقهاء في المأموم هل ينطبق عليه الحكم أم أن سترة الإمام سترة له؟

الجمهور (المالكية، والشافعية، والحنابلة): يجوز المرور بين يدي المأمومين ولا إثم على المار؛ لأن سترة الإمام سترةٌ لمن خلفه، مستدلين بحديث ابن عباس لما مرّ بين يدي بعض الصف وهو راكب أتانٍ فلم يُنكر عليه أحد.

الحنفية: يكره المرور بين يدي المأموم كالإمام والمنفرد، إلا أنهم قالوا إن الإثم في حق المأموم أخف، ولا يقطع الصلاة ولا يفسدها. (يُنظر: "فتح الباري" لابن حجر، "البحر الرائق" لابن نجيم).

5. استثناء المرور في المسجد الحرام (مكة)

اختلف الفقهاء في حكم المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام وهل يُستثنى من هذا الوعيد الشديد أم لا:

المالكية والشافعية والحنابلة (في المعتمد عندهم): يجوز المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام مطلقاً (سواء بمكة أو حول الكعبة)، ولا يكره ذلك ولا إثم فيه؛ مستدلين بحديث المطلب بن أبي وداعة أن النبي ﷺ كان يصلي مما يلي بني سهم والناس يمرون بين يديه وليس بينهما سترة، ولأن في المنع حرجاً عظيماً على الطائفين والمصلين.

الحنفية: لم يفرقوا بين المسجد الحرام وغيره في أصل المنع، إلا أنهم رخصوا في موضع الطواف للحاجة والزحام الشديد، أما في أطراف المسجد فالمنع باقٍ عندهم. (يُنظر: "المغني" لابن قدامة، "المنهاج" للنووي، "حاشية ابن عابدين").

6. إثم المصلي المتعرض للمرور

إذا صلى المرء في مكانٍ يغلب على الظن مرور الناس فيه دون أن يتخذ سُترة، فهل يأثم المصلي كما يأثم المار؟

المالكية والشافعية والحنابلة: يأثم المصلي إذا فرّط بترك السترة وتعرض لمرور الناس في الممرات والطرقات، ويكون الإثم مشتركاً بين المار والمصلي؛ لأن المصلي تسبب في تعرض أخيه للإثم.

الحنفية: يرون الإثم على المار ابتداءً، لكن إن وجد المار مسلكاً آخر ومرّ بين يدي المصلي فالإثم على المار وحده، وإن لم يجد المار مسلكاً وكان المصلي هو المقصر بصلاته في الممر فالإثم على المصلي دون المار. (يُنظر: "عمدة القاري" للعيني، "الشرح الكبير" للدردير).



   
اقتباس
شارك: