عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: ((أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ , قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ. قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي , وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ , وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ. وَيُعْتِقُونَ وَلا نُعْتِقُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: أَفَلا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ , وَتَسْبِقُونَ مَنْ بَعْدَكُمْ. وَلا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ , إلَاّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ قَالُوا: بَلَى , يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: ثَلاثاً وَثَلاثِينَ مَرَّةً. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ , فَقَالُوا: سَمِعَ إخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا , فَفَعَلُوا مِثْلَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ⦗٩٨⦘ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ))
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
أولاً: مشروعية التسبيح والتحميد والتكبير عقب الصلوات
الحكم: اتفق الفقهاء على استحباب الإتيان بهذه الأذكار الثلاثة (التسبيح، والتحميد، والتكبير) عقب فراغ المصلي من الصلوات المكتوبة، وأنها سنة مؤكدة رغب فيها الشارع صراحة.
ثانياً: كيفية وصيغة الذكر بعد الصلاة واختلاف أعداده
أقوال الفقهاء: اختلف الفقهاء في المفاضلة بين صيغ وأعداد التسبيح الواردة عقب الصلاة (حيث جاء في هذا الحديث ثلاث وثلاثون، وفي روايات أخرى خمس وعشرون بإضافة التهليل، وفي أخرى عشر):
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء (من الحنفية، والشافعية، والحنابلة) إلى أن الأفضل والأكمل هو الإتيان بالصيغة التي يبلغ مجموعها مائة (33 تسبيحة، 33 تحميدة، 33 تكبيرة، وختامها بالتهليل)، أو أن الإتيان بـ 33 لكل واحدة (كما في ظاهر رواية هذا الحديث) هو الأكمل، مع جواز بقية الأعداد الواردة.
القول الثاني: ذهب المالكية في المشهور إلى أن التكبير والتحميد والتسبيح يكون ثلاثاً وثلاثين لكلٍّ، وهو المعتمد عندهم، وجاء عن بعضهم تفضيل العمل بما وافق رواية المائة لزيادة الفضل.
ثالثاً: الجهر بالأذكار دبر الصلوات المكتوبة
أقوال الفقهاء: اختلف الفقهاء في حكم جهر المصلين بهذه الأذكار عقب الصلاة:
القول الأول (استحباب الإسرار): ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد، إلى أن المستحب في هذه الأذكار الإسرار والخفض، وحملوا الأحاديث الدالة على الجهر على أنه كان لغاية التعليم ثم تُرِك.
القول الثاني (استحباب الجهر): ذهب الحنابلة في المعتمد من المذهب، وهو مذهب الظاهرية وطائفة من المحدثين، إلى استحباب الجهر بهذه الأذكار دبر الصلوات المكتوبة للإمام والمأموم والمنفرد، لظاهر الأدلة.
رابعاً: المفاضلة بين الغني الشاكر والفقير الصابر
أقوال الفقهاء: اختلف العلماء والفقهاء في شروح الحديث في أيهما أفضل وأعظم أجراً عند الله بناءً على قوله صلى الله عليه وسلم في ختام الحديث: ((ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)):
القول الأول: أن الغني الشاكر (الذي يؤدي حق ماله ويتصدق ويعتق) أفضل من الفقير الصابر، وهو قول الشافعي، وطائفة من أصحاب أبي حنيفة، وابن بطال من المالكية، واختاره أبو العباس بن تيمية؛ لكون نفع الغني متعدياً بالصدقة والعتق والعبادات البدنية معاً.
القول الثاني: أن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر، وهو قول أكثر العلماء، ومنهم مالك، وأحمد في رواية، وأبو إسحاق المروزي من الشافعية، واستدلوا بأول الحديث حيث أثبت النبي للفقراء فضيلة السبق بالأذكار حتى شاركهم الأغنياء.
القول الثالث: الاستواء، فمن كان منهما أتقى لله وأقوم بعبادته فهو الأفضل، فإن استويا في التقوى استويا في الفضل، وهو قول جماعة من المحققين كابن الأثير والقرطبي.
خامساً: تداخل العبادات البدنية والمالية (هل يقوم الذكر البدني مقام الصدقة المالية؟)
الحكم: اتفق الفقهاء والشّراح على أن العبادات البدنية المحضة (كالذكر والدعاء) تعوض العبد عما يفوتُه من العبادات المالية (كالصدقة والعتق) عند العجز عنها، وأن فضل الله واسع يدرك به العاجزُ ببدنه ولسانه أجرَ القادر بماله إذا صحت نيته، لقوله: ((أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم)).
سادساً: محل هذا الذكر (هل هو متصل بالصلاة أم ينفصل عنها بالنافلة؟)
أقوال الفقهاء: اختلفوا فيمن أراد التطوع بعد الفريضة، هل يأتي بهذه الأذكار قبل النافلة أم بعدها:
القول الأول: ذهب الحنفية في المعتمد عندهم إلى أن المصلي إذا كان وراء صلاته المكتوبة نافلة (كالسنة الراتبة)، فإنه يقوم للنافلة فوراً ولا يفصل بينهما بالأذكار المطولة، ويأتي بالتسبيحات الثلاث والثلاثين بعد الفراغ من النافلة.
القول الثاني: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الأفضل الإتيان بهذه الأذكار عقب صلاة الفريضة مباشرة وقبل قيامه للنافلة، لأن دبر الصلاة هو المؤخر الصادق بانتهاء الفريضة مباشرة.