عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ((إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ - فَقَدْ لَغَوْتَ))
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
الفرع الأول: حكم الإنصات والسكوت للخطبة يوم الجمعة
أقوال الفقهاء:
الحنفية، والمالكية، والحنابلة: ذهبوا إلى وجوب الإنصات وحرمة الكلام أثناء خطبة الجمعة على من يسمع الخطبة، واستدلوا بظاهر الحديث حيث سمّى النبي ﷺ الأمر بالمعروف (وهو قول: أنصت) لغواً، فغيره من الكلام أحرى بالمنع. (ينظر: بدائع الصنائع للكاساني، الذخيرة للقرافي، المغني لابن قدامة).
الشافعية (في المذهب الصحيح المشهور): ذهبوا إلى أن الإنصات سنة مؤكدة وليس بوجوب، وأن الكلام حال الخطبة مكروه كراهة تنزيهية وليس بمحرم. واستدلوا بحديث الأعرابي الذي دخل يسأل عن الساعة والملأ يتكلمون، ولم يبطل النبي ﷺ جمعتهم. (ينظر: المجموع للنووي، مغني المحتاج للشربيني).
الفرع الثاني: حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالكلام وقت الخطبة
أقوال الفقهاء:
الجمهور (الحنفية، والمالكية، والحنابلة، والشافعية في وجه): ذهبوا إلى منع تغيير المنكر بالقول وقت الخطبة (كقولك لمن يتكلم: اسكُت أو أنصِت)، بل يُغيَّر بالإشارة كوضع الأصبع على الفم؛ لأن الحديث نصَّ على أن قول "أنصت" -وهي أمر بمعروف- يُعد لغواً، فدلّ على منع الكلام مطلقاً. (ينظر: فتح الباري لابن حجر، رد المحتار لابن عابدين، الإنصاف للمرداوي).
الفرع الثالث: معنى اللغو الوارد في الحديث وأثره على صحة صلاة الجمعة
أقوال الفقهاء:
اتفق الفقهاء على أن المراد باللغو في قوله ﷺ: «فقد لغوت» هو الخيبة عن الفضيلblank أو فوات ثواب الجمعة الكامل، أو أن كلامه صار ممقوتاً شبه باطلاً، وليس المراد به أن صلاة الجمعة تبطل أو تجب إعادتها ظهراً؛ فالصلاة مجزئة وصحيحة عند جميع المذاهب والأئمة الأربعة، وإنما ينقص أجرها. (ينظر: الاستذكار لابن عبد البر، شرح صحيح مسلم للنووي، طرح التثريب للعراقي).
الفرع الرابع: حكم الإنصات على من كان بعيداً لا يسمع الخطبة
أقوال الفقهاء:
الشافعية، والحنابلة، وأبو يوسف من الحنفية: ذهبوا إلى أنه لا يجب الإنصات على من كان بعيداً لا يسمع الخطبة، بل يجوز له الاشتغال بذكر الله وقراءة القرآن سراً؛ لأن علة الوجوب هي الاستماع، وهي مفقودة في حقه. (ينظر: المهذب للشيرازي، كشاف القناع للبهوتي، البحر الرائق لابن نجيم).
المالكية، والحنفية (في ظاهر الرواية): ذهبوا إلى وجوب السكوت والإنصات على من لا يسمع الخطبة أيضاً؛ لأن المحل محل سكوت وعبادة، ولئلا يشوش على من حوله ممن قد يسمع. (ينظر: مواهب الجليل للحطاب، فتح القدير لابن الهمام).
الفرع الخامس: حكم رد السلام وتشميت العاطس وقت الخطبة
أقوال الفقهاء:
الحنفية، والمالكية: ذهبوا إلى حرمة رد السلام وتشميت العاطس وقت الخطبة باللفظ، فالأولى عندهم إرجاء الرد باللفظ حتى يفرغ الإمام، أو الرد بالإشارة؛ لأن استماع الخطبة فرض، والرد نفل أو واجب موسع فلا يقطع له الفرض. (ينظر: البحر الرائق لابن نجيم، التاج والإكليل للمواق).
الشافعية، والحنابلة: ذهبوا إلى مشروعية رد السلام وتشميت العاطس وقت الخطبة؛ لأنها حقوق للمسلم لها أسباب خاصة، إلا أن الشافعية قالوا إن الرد مستحب، والحنابلة قالوا بوجوب رد السلام لفظاً وتشميت العاطس؛ لأن وجوبهما مضيق وخاص. (ينظر: المجموع للنووي، المغني لابن قدامة).