سلسلة التعريف بكتب الجرح والتعديل (3) الكامل في الضعفاء لابن عدي
أولا: ترجمة المصنف
يعد كتاب "الكامل في ضعفاء الرجال" لمؤلفه ابن عدي الجرجاني (ت: 365هـ) من المصنفات الموسوعية في علم الجرح والتعديل، حيث اشتمل على تراجم لـ 2209 راوٍ من المتكلم فيهم. وقد بين ابن عدي في مقدمته أنه ذكر في كتابه كل من ذُكر بضرب من الضعف، أو من اختلف فيه النقاد، ذاكراً لكل راوٍ ما استُنكر عليه من مروياته أو ما أدى لضعفه .
ولا يقتصر الكتاب على الضعفاء فحسب، بل يضم عدداً من الثقات الأكابر الذين تُكلم فيهم بنوع جرح غير قادح، أو وُجدت علة في أسانيد حديثهم، كما ذكر بعض الصحابة لا للطعن فيهم بل لبيان عدم صحة إسناد حديث معين إليهم .
يتكون الكتاب من مقدمة مستفيضة تناولت سوء عاقبة الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وتاريخ الجرح والتعديل منذ عهد الصحابة، ثم رتب التراجم على حروف المعجم مراعياً الحرف الأول من الاسم.
منهجه في تصنيف الكتاب
اعتمد ابن عدي في تصنيفه على منهج السبر والاعتبار، وهو تتبع طرق الحديث ومقارنة مرويات الراوي بمرويات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان؛ فمن غلبت عليه الموافقة فهو ضابط، ومن كثرت مخالفته للثقات عُرف اختلال ضبطه.
ويقوم منهجه في كل ترجمة على ذكر اسم الراوي ونسبه، وسرد أقوال النقاد فيه، ثم إيراد نماذج من أحاديثه التي أُنكرت عليه أو تفرّد بها، ليختم الترجمة بحكمه الخاص على الراوي .
تميز ابن عدي باستعمال ألفاظ نقدية محددة الدلالة، منها عبارة "إلى الضعف أقرب" التي أطلقها على ستة وثلاثين راوياً، ويقصد بها أن الراوي يندرج في جملة الضعفاء لكن درجته متفاوتة بين الضعف المنجبر والشديد .
كما استعمل مصطلح "أحاديثه يحمل بعضها بعضاً" ليدل على أن أحاديث الراوي فيها الضعف المنجبر الذي يتقوى ببعضه ولا يُترك، أو أنه يُحتج بحديثه في غير ما أُنكر عليه.
واستخدم أيضاً لفظ "والضعف على رواياته بيّن" للإشارة إلى من كثرت المناكير في حديثه أو من يروي عن الثقات ما لا يتابعه عليه أحد.
يعتبر الكتاب مصدراً رئيساً في معرفة الأحاديث الموضوعة؛ حيث أعمل ابن عدي قرائن الوضع للكشف عن المرويات الباطلة، كقرينة "عدم السماع" لمن حدّث عن شيوخ ماتوا قبل ولادته، أو قرينة "عدم اللقاء" لمن حدّث عن قوم لم يرهم، بالإضافة إلى قرينة "إقرار الراوي بالوضع".
كما اعتمد قرائن تتعلق بالمتن مثل كون اللفظ لا يشبه كالم الأنبياء، أو مخالفة الحديث للحقائق المشهورة والمتعارف عليها، أو نكارة المتن وبطالنه.
صار "الكامل" عمدة للمتأخرين في فن النقد، حيث اعتمد عليه الذهبي بشكل رئيس في "ميزان الاعتدال" وتابعه في شرط ذكر كل من تُكلم فيه ولو كان ثقة، كما استقى منه ابن حجر مادة غزيرة في "التهذيب" و"اللسان".
وقد لاحظ بعض النقاد أن ابن عدي قد يورد في ترجمة الراوي خبراً باطلاً وُضع من بعده ولا يكون للراوي نفسه دخل فيه، كما أنه قد يدافع عن بعض المضعفين إذا لم يجد في حديثهم نكارة بيّنة.
وقد وُصف ابن عدي بالاعتدال والإنصاف في أحكامه النقدية، مع ميله للتسامح في مواضع معينة بناءً على سبره للمرويات.
استعمل ابن عدي في كتابه "الكامل" اصطلاحات واضحة، حيث قسّم ألفاظه بين مفردة ومركبة، بلغت في مجموعها نحو مائتين وأربع وعشرين عبارة نقدية، تنوعت دلالاتها لتشمل مختلف مراتب الرواة من الوضاعين والمتروكين والضعفاء، وصولاً إلى خفيفي الضبط والثقات الذين أُنكرت عليهم بعض الأحاديث.
ويقوم منهجه الاصطلاحي على عدم اطراد الحكم العام، بل يربط اللفظ بحال الراوي في شيوخه وتفرده ومخالفته للأثبات، مما جعل مصطلحاته تعبّر عن نتائج ملموسة لعملية المقارنة والاعتبار
ومن أبرز مصطلحاته الخاصة عبارة "إلى الضعف أقرب" التي أطلقها على ستة وثلاثين راوياً، ويقصد بها إدراج الراوي في جملة الضعفاء مع تفاوت مراتبهم؛ فمنهم من يكون ضعفه منجبراً ومنهم من يكون ضعفه شديداً
وتعد هذه اللفظة عند ابن عدي منزلةً بين الضعيف والمتروك، وقد تتقاطع في مراتبها مع اصطلاحات المتأخرين كقولهم "صدوق يهم" أو "صدوق سيئ الحفظ" لمن كان ضعفه منجبراً، أو قولهم "متروك الحديث" و**"ساقط"** لمن كان ضعفه شديداً، والسياق التفصيلي لكل ترجمة هو الذي يحدد المراد بدقة.
كما تميز ابن عدي بعبارة "أحاديثه يحمل بعضها بعضاً"، وهي لفظة تفرد باستعمالها ولم يُسبق إليها، وتنوع مراده بها بحسب القرائن المرافقة لكل راوٍ؛ فإما أن يقصد بها تضعيف أحاديث الراوي بالضعف المنجبر الذي يتقوى بمجموع مروياته ولا يُترك، أو يقصد بها الاحتجاج بما لم يُنكر عليه من حديثه
وهذا المصطلح يعكس إنصاف ابن عدي؛ إذ لا يطرح حديث الراوي الذي فيه لين بالكلية، بل يجعله في مرتبة الشواهد والاعتبار، وهو ما يتوافق مع المعنى اللغوي للحمل الذي يفيد التقوية والإعانة.
وفي سياق الجرح الشديد، أطلق ابن عدي لفظ "والضعف على رواياته بيّن" على الرواة الذين كثرت المناكير في حديثهم، أو الذين يروون عن الثقات ما لا يتابعهم عليه أحد
وتُعد هذه العبارة نتيجةً لاستقراء تام وتفتيش في مرويات الراوي؛ فإذا غلبت المخالفة وتعددت الأوهام في الأسانيد والمتون، حُكم عليه بهذا اللفظ الذي يقتضي سقوط الاحتجاج بحديثه
وكثيراً ما يقترن هذا اللفظ بذِكر العلل القادحة مثل "التفرد بما لا يُتابع عليه" أو "قلب الأسانيد".
أما عبارة "أرجو أنه لا بأس به"، فهي من أوسع الألفاظ دلالةً عنده، ولا يلزم منها التوثيق المطلق دائماً؛ فقد يستعملها في حق الحفاظ الثقات، وقد يطلقها على الضعفاء الذين لا يتعمدون الكذب وإن وقع الوهم في حديثهم
ويرى النقاد أن مراد ابن عدي من كلمة "البأس" هنا هو تعمد الكذب؛ فإذا قال "لا بأس به" فإنه ينفي عن الراوي تهمة الكذب وإن كان في حفظه مقال، وهي دون رتبة "لا بأس به" الجازمة في التعديل
لذا يقرنها أحياناً بوصف الراوي بـ "منكر الحديث" ليبين أن نكارة حديثه ناتجة عن سوء حفظه لا عن فساد ديانته.
واستخدم ابن عدي مصطلح "المنكر" بدلالات تتجاوز المعنى الاصطلاحي المستقر عند المتأخرين؛ فقد يطلقه على انفراد الثقة بحديث مقبول، أو تفرد الضعيف بما لا يُتابع عليه، أو للدلالة على الحديث الموضوع والمكذوب
وتوسع أيضاً في استعمال ألفاظ مثل "يكتب حديثه" و**"يُجمع حديثه"** و**"يُعتب به"**، ويقصد بها الرواة الذين لا يُحتج بهم في الأصول ولكن تُكتب مروياتهم لتعرف عللها أو لتقوى بها غيرها في باب المتابعات
رحم الله بن عدي وأجزل مثوبته
تحقيقات الكتاب
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، ابحث عن شيخ في مصر في القاهرة يكون علي منهج قويم علي عقيدة أهل الأثر دلوني جزاكم الله خيرا
انا لسه عضو جديد و لا خبرة لي في هذا المنتدي فاعءرني اذا كان ردي لا علاقة له برسالتك
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الشيخ طارق بن عوض الله من المشايخ المتقنين
الدكتور مازن السرساوي أستاذ الحديث بجامعة الأزهر
والعلامة الدكتور أحمد معبد عبد الكريم له درس في الجرح والتعديل بالجامع الأزهر
جزاكم مثله