الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
الأحاديث (1407)( 1408)( 1409)( 1410)
4 - باب السُّجُودِ فِى {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} وَ {اقْرَأْ}.
1407 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (1) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (2) عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى (3) عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ (4) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} وَ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ}.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه مسلم (578)، وابن ماجه (1058)، والترمذي (580)، والنسائي في "الكبرى" (1041) من طرق عن سفيان، بهذا الإسناد.
وأخرجه مسلم (578) من طريق عبد الرحمن الأعرج، والترمذي (581)، والنسائي (1037) و (1038) من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن، والنسائي (1040) من طريق محمد بن سيرين، ثلاثتهم عن أبي هريرة، به.
ولفظ النسائي (1040): سجد أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ومن هو خير منهما - صلى الله عليه وسلم - في {إذا السماء انشقت} و {اقرأ باسم ربك الذي خلق}.
وهو في "مسند أحمد" (7371) و (7396)، و"صحيح ابن حبان" (2767).
[تراجم الإسناد]:
(1) مسدد هو ابن مسرهد الأسدي.
(2) سفيان: هو ابن عيينة.
(3) أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي؛ قال البخاري، عن علي ابن المديني: له نحو أربعين حديثا.
قال يحيى بْن مَعِين، وأبو زُرْعَة، والنَّسَائي والدارقطني: ثقة. زاد أَحْمَد: ليس به بأس. وَقَال أبو حاتم: صالح الحديث.
وَقَال أَحْمَد بْن عَبد اللَّهِ العجلي: مكي ثقة.
(4) أبو معاذ عطاء بن ميناء المدنيُّ مولي ابن أبي ذباب الدوسيُّ. وثقه ابن حبان؛ و قال العِجليُّ: مدنيٌّ، تابعيٌّ، ثقةٌ. "الثقات" 957.
[شرح الحديث]:
قوله " سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ}. أي سجود التلاوة عند قراءة قوله تعالى في سورة الانشقاق: {فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (21)}.
ورد في بعض نسخ سنن أبي داود عقب هذا الحديث قال أبو داود: «أسلم أبو هريرة سنة ست عام خيبر، وهذا السجود من رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر فعله» انظر عون المعبود (4/ 198).
وفي الحديث دليل على مشروعية سجود التلاوة؛ وهذا مجمع عليه؛ وهو سنة مستحبة عند الجمهور لمن قرأ آيه فيها سجدة؛ قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَاجِبٌ غَيْر فَرْضٍ.
وفي الحديث دليل على ثبوت السجدتين اللتين في سورة الانشقاق؛ وفي سورة العلق.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: كَانَ اِبْن عُمَرَ يَسْجُدُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ.
وعليه فمن قرأ آية تلاوة فليسجد ولو كان على غير وضوء.
******************
1408 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (1) حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ (2) قَالَ سَمِعْتُ أَبِى (3) حَدَّثَنَا بَكْرٌ (4) عَنْ أَبِى رَافِعٍ (5) قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ أَبِى هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} فَسَجَدَ فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ؟ قَالَ: سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِى الْقَاسِمِ -صلى الله عليه وسلم- فَلاَ أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري (766)، (768)، (1074) (1078)، ومسلم (578)، والنسائي في "الكبرى" (1042)، والنسائي (1035)، (1036)، (11596) وابن ماجه (1059) وأحمد في المسند" (7140)، وابن حبان في الصحيح " (2761).
[تراجم الإسناد]:
(1) مسدد بن مسرهد الأسدي.
(2) الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ بن طرخان التَّيْمِيُّ. ويكنى أبا محمد. وكان ثقة.
(3) سليمان بن طرخان التيمي تابعي مشهور من صغار تابعي أهل البصرة وكان فاضلا وصفه النسائي وغيره بالتدليس؛ قَالَ ابْنُ مَعِيْنٍ: ثِقَةٌ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: ثِقَةٌ، صَدُوْقٌ.
(4) بكر: هو ابن عبد الله المزني.
(5) أبو رافع: هو نفيع بن رافع الصائغ المدني نزيل البصرة أدرك الجاهلية ولم ير النبي -صلى الله عليه وسلم-. وَثَّقَهُ: أَحْمَدُ العِجْلِيُّ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ.
[شرح الحديث]:
قول أبي رافع "صَلَّيْتُ مَعَ أَبِى هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} فَسَجَدَ فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ؟ قَالَ: سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِى الْقَاسِمِ -صلى الله عليه وسلم- فَلاَ أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ.
وصلاة العتمة أي صلاة العشاء؛ عتَمَةُ الليل: ظلامُ أوَّلِهِ بعد زوال نور الشَّفَق ·وهو أول وقت صلاة العشاء، وهو الثُّلثُ الأَوَّل من اللَّيل بعد غيبوبة الشَّفق.
وفي الحديث بيان الأدب في ذكر رسول الله بكنيته؛ وهذا من توقيره وإجلاله.
وفي الحديث بيان اتباع الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ومواظبتهم على سنته؛ عملا بقول الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الحشر:7).
وفيه أثبات سجدة التلاوة في سورة الإنشقاق.
وفي الحديث بيان اتباع أبي هريرة رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا هو الأصل الذي سار عليه كل الصحابة الكرام رضي الله عنه.
**************
5 - باب السُّجُودِ فِى (ص).
1409 - حَدَّثَنَا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ (1) حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ (2) حَدَّثَنَا أَيُّوبُ (3) عَنْ عِكْرِمَةَ (4) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَيْسَ (ص) مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَسْجُدُ فِيهَا.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه البخاري (1069)، (3422) والترمذي (577) وأحمد (3387) والدارمي (1508) والحميدي في المسند (483) وابن خزيمة (550).
[تراجم الإسناد]:
(1) موسى بن إسماعيل المنقرى، مولاهم، أبو سلمة التبوذكى البصرى، ثقة ثبت.
(2) وُهَيْبُ بنُ خَالِدِ بنِ عَجْلاَنَ الكَرَابِيْسِيُّ، وثقه ابن معين وأبو حاتم وابن سعد.
(3) أَيُّوْب السِّخْتِيَانِيِّ، الحافظ الثقة الكبير.
(4) عِكْرِمَةُ أَبُو عَبْدِ اللهِ القُرَشِيُّ مَوْلاَهُم؛ مولى ابن عباس رضي الله عنهما؛ المَدَنِيُّ، البَرْبَرِيُّ الأَصْلِ. وقد وثقه جماعة، واعتمده البخاري وأما مسلم فتجنبه، وروى له قليلا مقرونا.
[شرح الحديث]
قوله: لَيْسَ (ص) مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَسْجُدُ فِيهَا. ومعنى عزائم السجود هي السجدات المتفق عليها أو التي فيها أمر مباشر.
واختلف العلماء في السجود في ص، فقالت طائفة: لا سجود فيها، روى ذلك عن ابن مسعود، وقال: هي توبةُ نَبِيِّ، وروى مثله عن عطاء، وبه قال الشافعي. وقالت طائفة بالسجود فيها، روى ذلك عن عمر، وعثمان، وابن عمر، وعقبة بن عامر، وعن سعيد بن المسيب، والحسن، وطاوس، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والثوري، وقد روى عن ابن عباس مثله، ذكره البخاري في كتاب الأنبياء عن مجاهد أنه سأل ابن عباس: أَأسْجُدُ في ص؟، فقرأ: {ومن ذريته داود وسليمان} حتى انتهى: {فبهداهم اقتده} [الأنعام: 84 - 90]، فقال: نبيكم ممن أمر أن يقتدى بهم، فاحتجاج ابن عباس بالقرآن أولى من قوله: ليس ص من عزائم السجود. وقال مالك: إنها من عزائم السجود، وقال الطحاوي: والنظر عندنا أن يكون في ص سجدة؛ لأن موضع السجود منها موضع خبر لا موضع أمر، فينبغي أن يرد إلى حكم أشكاله من الأخبار، فيكون فيها سجود. [شرح صحيح البخاري لابن بطال (3/ 55)].
*****************
1410 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ (1) حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ (2) أَخْبَرَنِى عَمْرٌو - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثِ (3) - عَنِ ابْنِ أَبِى هِلاَلٍ (4) عَنْ عِيَاضِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَعْدِ بنِ أَبِى سَرْحٍ (5) عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّهُ قَالَ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ (ص) فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأَهَا فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَشَزَّنَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ فَقَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّمَا هِىَ تَوْبَةُ نَبِىٍّ وَلَكِنِّى رَأَيْتُكُمْ تَشَزَّنْتُمْ لِلسُّجُودِ». فَنَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدُوا.
- ---------------------------------•
صحيح:
أخرجه الدارمي (1507) (1595) وابن خزيمة (1455) (1795) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (2802)، (2803) وفي شرح معاني الآثار (2130) وابن حبان (2765) (2799) والدارقطني في السنن (1519) والحاكم في المستدرك (1052) وإسناده كلهم مصريون، وقال النووي في "الخلاصة ": سنده صحيح على شرط البخاري.
[تراجم الإسناد]:
(1) أحمد بن صالح المصرى، أبو جعفر ابن الطبرى، قَالَ أَحْمَدُ العِجْلِيُّ: أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ: مِصْرِيٌّ، ثِقَةٌ، صَاحِبُ سُنَّةٍ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: ثِقَةٌ، وقَالَ البُخَارِيُّ: أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ: ثِقَةٌ، صَدُوْقٌ.
(2) عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبِ بنِ مُسْلِمٍ الإِمَامُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، أَبُو مُحَمَّدٍ المِصْرِيُّ، قال الذهبي: له (مُوَطَّأُ ابْنِ وَهْبٍ) كَبِيْرٌ، لَمْ أَرَهُ، وَلَهُ كِتَابُ (الجَامِعِ)، وَكِتَابُ (البَيْعَةِ)، وَكِتَابُ (المَنَاسِكِ)، وَكِتَابُ (المَغَازِي)، وَكِتَابُ (الرِّدَّةِ)، وَكِتَابُ (تَفْسِيْرِ غَرِيْبِ المُوَطَّأِ)، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وثقه أحمد بن حنبل وابن معين وابن عدي.
(3) عمرو بن الحارث المصري. أحد الثقات.
(4) سَعِيْدِ بنِ أَبِي هِلاَلٍ، المصري، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لاَ بَأْسَ بِهِ. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله. وذكره ابنُ حِبَّان فِي كتاب "الثقات" ووثقه الدارقطني.
(5) عِيَاضُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ سَعْدِ بنِ أَبِي سَرْحٍ القُرَشِيُّ العَامِرِيُّ، المِصْرِيُّ، ابْنُ أَمِيْرِ مِصْرَ. وثقه النسائي، وابن معين. وقال العجلي: مدنيٌّ، تابعيٌّ، ثقةٌ.
[معانى بعض الكلمات]:
تشزن: تهيأ.
[شرح الحديث]
قول أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ (ص) فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، وذلك عند قوله: {وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ}.
ثم قال: فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأَهَا فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَشَزَّنَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ. أي تهيأ واستعد الناس للسجود، والشزن هو القلق، يقال: بات فلان على شزن، أي: بات قلقا يتقلب من جنب إلى جنب، وقال ابن الأثير في " باب الشين مع الزاي ": التشزُّن التأهب، والتهيؤ للشيء، والاستعداد له.
فَقَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّمَا هِىَ تَوْبَةُ نَبِىٍّ وَلَكِنِّى رَأَيْتُكُمْ تَشَزَّنْتُمْ لِلسُّجُودِ». فَنَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدُوا.
وتوبة نبي أي سجدها داود- عليه السلام- توبة، وسجدها النبي محمد صلى الله عليه وسلم شكرًا.- لما رواه ابنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ فِي ص وَقَالَ: سَجَدَهَا دَاوُد - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَوْبَةً، وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا» رَوَاهُ النَّسَائِيّ (957) وصححه الألباني.
والله الموفق
الدر المعقود بشرح سنن أبي داود
أبو عاصم البركاتي الأثري المصري