شرح سنن أبي داود السجستاني الحديث رقم (53)
29 - باب السِّوَاكِ مِنَ الْفِطْرَةِ.
53 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ (1) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (2) عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِى زَائِدَةَ (3) عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ (4) عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ (5) عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ (6) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَالسِّوَاكُ وَالاِسْتِنْشَاقُ بِالْمَاءِ وَقَصُّ الأَظْفَارِ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَنَتْفُ الإِبِطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ». يَعْنِى الاِسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ. قَالَ زَكَرِيَّا قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ.
•---------------------------------•
حسن :
أخرجه مسلم (261) والترمذي (2757) والنسائي (5040) وابن ماجه (293) وأحمد (25060).
[تراجم الإسناد]
(1) يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ أَبُو زَكَرِيَّا المُرِّيُّ أَحَدُ الأَعْلاَمِ الثقات، إمام الجرح والتعديل.
(2) وكيع بن الجراح الإمام الحافظ، محدث العراق أبو سفيان الرؤاسي، الكوفي، أحد الأعلام، وثقه ابن معين
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثِقَةٌ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، ولينه بعضهم.
(3) زَكَرِيَّا بنُ أَبِي زَائِدَةَ أَبُو يَحْيَى الهَمْدَانِيُّ، قَالَ أَحْمَدُ: ثِقَةٌ، حُلوُ الحَدِيْثِ.
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: صُوَيلِحٌ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَيِّنُ الحَدِيْثِ، يُدَلِّسُ.
(4) مصعب بن شيبة بن جبير بن شيبة بن عثمان بن أبى طلحة القرشى الحجبى المكى، قال أحمد: روى مناكير.
وقال أبو حاتم: ليس بالقوى.
وقال النسائى: منكر الحديث.
وقَالَ الدارَقُطْنيُّ: لَيْسَ بالقويّ.
وقال ابن معين والعجلي: ثقة.
(5) طَلْقُ بنُ حَبِيْبٍ العَنَزِيُّ، قَالَ فيه أَبُو حَاتِمٍ: صَدُوْقٌ، وقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: طَلْقٌ ثِقَةٌ، مُرْجِئٌ.
(6) عَبْدُ اللهِ بنُ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ بنِ خُوَيْلِدٍ الأَسَدِيُّ رضي الله عنه.
[معانى بعض الكلمات]:
الفطرة: أي الأمور التي تكون عليها الطبائع السليمة، حيث الخلقة الأصلية التي يولد عليها الإنسان.
البراجم: العقد التى فى ظهور الأصابع يجتمع فيها الوسخ واحدتها برجمة.
[شرح الحديث]:
الفطرة هي الخلقة الأصيلة السويَّة السليمة التي خلق الله عز وجل الناس عليها من الإيمان بالله ومعرفته، والإقرار بربوبيته تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172].
وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلا يُولَد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه، وينصرِّانه، أو يمجِّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء» ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30].
ومن الفطرة التي جبلت عليها الطبائع السليمة هذه الأمور التي اشتمل عليها الحديث.
وكذلك حديث عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: "الفِطرةُ خَمسٌ: الخِتانُ، والاستحدادُ، وقصُّ الشَّاربِ، وتقليمُ الأظفارِ، ونتْفُ الآباطِ " [رواه البُخاريُّ (5891) واللَّفظُ له، ومُسْلِم (257)].
قوله صلى الله عليه وسلم (قَصُّ الشَّارِبِ) أي الأخذ منه بالقص أو الجز أو الحف وهو الاستئصال الشديد، أما الحلق بالموس فذهب المالكية إلى عدم جواز حلق الشارب بالكلية، قال الباجي في (المنتقى شرح الموطأ) (7/ 266): رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ إحْفَاءُ الشَّارِبِ حَلْقَهُ وَأَرَى أَنْ يُؤَدَّبَ مَنْ حَلَقَ شَارِبَهُ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ حَلْقُهُ مِنْ الْبِدَعِ. انتهى
وذهب الشافعية في المذهب إلى المنع من الحف، وأن السنة هي الأخذ منه حتى يبدو طرف الشفة، قال النووي في (المجموع) (1/ 287):
ثُمَّ ضَابِطُ قَصِّ الشَّارِبِ أَنْ يَقُصَّ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ وَلَا يَحُفُّهُ مِنْ أَصْلِهِ هَذَا مَذْهَبُنَا وَقَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ إنْ حَفَّهُ فَلَا بَأْسَ وَإِنْ قَصَّهُ فَلَا بَأْسَ. ا هـ.
ودليل من قال بجواز الحف ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "جزوا الشوارب، وأرخوا اللِّحى، خالفوا المجوس".
وما رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "انهكوا الشوارب، وأعفوا اللحى"، فحملوا النهك والحف والجز على الاستئصال.
قوله صلى الله عليه وسلم: (وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ) أي اطلاقها وعدم حلقها وهذا للوجوب للأدلة الوافرة.
وأدلة القائلين بحرمة حلق اللحية:
أولًا: الأمر بها في غير ما حديث بلفظ: "أوفوا" و"أرجوا" و"أرخوا" و"أعفوا" ويستدلون بقاعدة الأمر للوجوب حتى يصرف عن الوجوب بقرينة؛ ولا قرينة.
ثانيًا: أنها سنة فعلية للأنبياء والرسل؛ قال تعالى حاكيًا عن هارون عليه السلام: {قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي} (طه: 94).
وما ثبت في وصف الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان كث اللحية؛ وعظيم اللحية؛ وكانت لحيته تملأ صدره؛ وأن الصحابة الكرام كانوا يعرفون قراءته في الصلاة باضطراب لحيته عليه الصلاة والسلام.
ثالثًا: عموم النهي عن التشبه بالنساء والمخنثين من الرجال.
رابعًا: أنها من تغيير خلق الله تعالى؛ لقوله تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا. لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا. وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا} (النساء: 117 - 119).
خامسًا: تقرير فقهاء الإسلام على مدار العصور بأن اللحية فيها الدية الكاملة بالتعدي؛ لأنها من تمام الخلق والتعدي عليها نقصان يحصل لصاحبها.
سادسًا: نهيهم عن التعذير بحلق اللحية؛ وجوازه في حلق الرأس وعللوا ذلك بأن حلق اللحية مُثْلَةٌ؛ وتلحق بها المعرة للأبناء والذراري.
قال الإمام الشافعي في "الأم" (6/ 88): وَالْحِلَاقُ لَيْسَ بِجِنَايَةٍ (أي حلق الرأس)؛ لِأَنَّ فِيهِ نُسُكًا فِي الرَّأْسِ وَلَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ أَلَمٍ؛ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ فِي اللِّحْيَةِ لَا يَجُوزُ فَلَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ أَلَمٍ وَلَا ذَهَابُ شَعْرٍ. انتهى
وقال ابن حزم رحمه الله: اتفقوا أن حلق جميع اللحية مُثْلة لا تجوز. [مراتب الإجماع (182)]
وقد نص ابن حزم رحمه الله في (المحلى 2/ 220) على تحريم حلق اللحية فقال: وأما فرض قص الشارب وإعفاء اللحية، ...
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى" (5/ 302): وَيَحْرُمُ حَلْقُ اللِّحْيَةِ.
وقال في "الاستقامة" (2/ 16): فحلق اللحية منهى عَنهُ ومثلة كرهها الله وَرَسُوله. انتهى
وذهب فريق كبير من أهل العلم فقالوا بوجوب الإعفاء؛ وجواز أخذ ما زاد على القبضة، وكذا أخذ ما شذ وفحش منها؛ واستدلوا بفعل ابن عمر وأبي هريرة، فأخرج البخاري عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((خالِفوا المُشرِكينَ: وفِّرُوا اللِّحى، وأحْفُوا الشَّوارِبَ)) وكان ابنُ عمرَ: إذا حجَّ أو اعتمَرَ قبَضَ على لحيتِه، فما فضَلَ أخذَه.
وأخرج ابن أبي شيبة رقم (25992) عن أبي زرعةَ بنِ جريرٍ، قال: (كان أبو هريرةَ يَقبِضُ على لِحيتِه، فما كان أسفَلَ مِن قبضتِه جَزَّه).
وقوله (وَالسِّوَاكُ وَالاِسْتِنْشَاقُ بِالْمَاءِ) والسواك من الفطرة المأمور بها وكذا الاستنشاق في الوضوء والغسل وفي غير ذلك للتنظيف والتطهير.
وقوله (وَقَصُّ الأَظْفَارِ) وهو سنة في اليدين والقدمين، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من الفطرة حلق العانة وتقليم الأظفار وقص الشارب» (رواه البخاري).
وثبت في صحيح مسلم عن أنس - رضي الله عنه - قال: «وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة». ولو احتاج التقليم قبل الأربعين فعله، فهو طيب.
أما تطويل الأظفار بداعي التشبه بغير المسلمين فحرام وفيه مخالفة للفطرة السوية والسنة النبوية.
وقوله: (وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ) وهي عقل الأصابع لأنه يجتمع فيها الأوساخ.
وقوله: (وَنَتْفُ الإِبِطِ) أي نتف الشعر ولو حلقه او أزاله بأي مزيل فلا بأس، وهو سنة.
وقوله: (وَحَلْقُ الْعَانَةِ) أي حلق شعر العانة وهو الشعر النابت حول الفرج، ويُكره ترْكُ شَعرِ العانةِ، وكذا ترْكُ نَتفِ الإبْط، وقصِّ الشَّارِبِ، وتقليمِ الأظفارِ؛ أكثرَ مِن أربعينَ يومًا.
وقوله: (وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ) وهو الاستنجاء وقد تكلمنا عنه في الأحاديث السابقة.
وقوله: (المضمضة) في الوضوء والغسل وفي غير ذلك للتطهير والتنظيف.