الإشعارات
مسح الكل

تدوين التابعين للحديث النبوي


(@user526820)
Prominent Member
انضم: مند 8 أشهر
المشاركات: 323
بداية الموضوع  
تدوين التابعين للحديث النبوي
أبو عاصم البركاتي الأثري المصري
 
الحمد لله وحد والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
فيعرف الأصوليون التابعي فيقولون : هو من لقي صحابيًا مسلمًا، ومات على الإسلام، وقيل:   هو من صحب الصحابي.
وهذا يقال في الرجال والنساء، فتوجد الكثيرات من التابعيات اللاتي التقين بالصحابة والصحابيات وتعلمن منهم، ونُقِل عنهن العلم والحديث، ومن هؤلاء  أم الدرداء الصغرى وحفصة بنت سيرين وعمرة بنت عبد الرحمن.
تدوين التابعين للحديث النبوي
كان التدوين في عصر الصحابة في صحف يسيرة وأوراق قليلة نظرا لاعتمادهم على الحفظ والذاكرة ، ولم يكن الحديث المدون مرتبًا على كتب وأبواب فقهية أو على طريقة المسانيد ، فهذا حصل في عصور لاحقة على عصر الصحابة، كذا لم يكن للمكتوب لدى الصحابة أسانيد لأنهم يكتبون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، أو يحدث بعضهم عن بعض وكلهم عدول مأمون.
أما تدوين التابعين فكان غالبا عن الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو كتبوا فتاوى الصحابة واجتهاداتهم، ومما يشار إليه بالذكر أنه قد يكتب التابعي عن تابعي عن الصحابة موقوفًا أو مرفوعًا.
ومن أمثلة تدوين التابعين للحديث ما ورد عن سعيد بن جبير رحمه الله أنه قال: كنت أسير بين ابن عمر وابن عباس، فكنت أسمع الحديث منهما، فأكتبه على واسطة الرحل حتى أنزل فأكتبه. [تقييد العلم (103) وجامع بيان العلم وفضله (1/ 72)].
وأخرج الدارمي في السنن (511) عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، قَالَ: " كُنْتُ أَكْتُبُ مَا أَسْمَعُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أُفَارِقَهُ، أَتَيْتُهُ بِكِتَابِهِ فَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ لَهُ: هَذَا سَمِعْتُ مِنْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ ".
 وفي رواية قُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنِّي كَتَبْتُ عَنْكَ كِتَابًا فَأَرْوِيَهُ عَنْكَ؟ قَالَ: «نَعَمِ ارْوِهِ عَنِّي» [ العلم لزهير بن حرب (154)].
وأخرج الخطيب في "تقييد العلم ص 104" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: كُنْتُ أَنْطَلِقُ أَنَا وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أَبُو جَعْفَرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ، إِلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «فَنَسْأَلُهُ عَنْ سُنَنِ، رَسُولِ اللَّهِ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ, وَعَنْ صَلَاتِهِ، فَنَكْتُبُ عَنْهُ وَنَتَعَلْمُ مِنْهُ»
وأخرج الخطيب في "تقييد العلم ص 104" بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، قَالَ: «كُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , أَنَا وَأَبُو جَعْفَرٍ , مَعَنَا أَلْوَاحٌ نَكْتُبُ فِيهَا».
ابتداء التدوين الرسمي للدولة في زمن التابعين
وقع ابتداء تدوين الحديث على رأس المائة في خلافة عمر بن عبد العزيز بأمره؛ ففي صحيح البخاري:  وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه؛ فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء.
وفي رواية أخرجها البيهقي في "معرفة السنن " برقم (17067) أن عمر بن عبد العزيز، كتب إلى عامله على المدينة أبي بكر بن حزم يأمره: "انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ سُنَّةٍ مَاضِيَةٍ , أَوْ حَدِيثِ عَمْرَةَ , فَاكْتُبْهُ فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ أَهْلِهِ " .
 وعمرة هي بنت عبد الرحمن، وقد ضم إليها في بعض الروايات اسم القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (١٠٧هـ)، وكلاهما من تلاميذ عائشة رضي الله عنها؛ فكانا أعلم الناس بأحاديثها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد قام أبو بكر بن حزم بما عهد إليه عمر.
 وأخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (1/ 366) بلفظ: " كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الْآفَاقِ: «انْظُرُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاجْمَعُوهُ وَاحْفَظُوهُ؛ فَإِنِّي أَخَافُ دُرُوسَ الْعِلْمِ، وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ».
قال ابن حجر "فتح الباري(1/ 194) : " يُسْتَفَادُ مِنْهُ ابْتِدَاءُ تَدْوِينِ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَعْتَمِدُونَ عَلَى الْحِفْظِ ، فَلَمَّا خَافَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِالعَزِيزِ وَكَانَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ الْأُولَى مِنْ ذَهَابِ الْعِلْمِ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ رَأَى أَنَّ فِي تَدْوِينِهِ ضَبْطًا لَهُ وَإِبْقَاءً " اهـ.
جمع ابن شهاب الزهري للحديث بأمر عمر بن عبد العزيز
قال السيوطي في ألفية مصطلح الحديث "نظم الدرر في علم الأثر" :
أَوَّلُ جامِعِ الحديثِ والأَثَرْ ... اِبْنُ شِهابٍ آمِرًا لَهُ عُمَرْ
وابن شهاب محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني الذي دون له في ذلك كتابا، فغدا عمر يبعث إلى كل أرض دفترا من دفاتره، وحق للزهري أن يفخر بعلمه قائلا:  "لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني". [ الرسالة المستطرفة ص4].
وأخرج الخطيب البغدادي في "تقييد العلم ص 106 " بسنده إلى صَالِح بن كَيْسَانَ، قَالَ: اجْتَمَعَتُ أَنَا وَالزُّهْرِيُّ، وَنَحْنُ، نَطْلُبُ الْعِلْمَ فَقُلْنَا نَكْتُبُ السُّنَنَ , فَكَتَبْنَا مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ , ثُمَّ قَالَ: نَكْتُبُ مَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِهِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ , فَقُلْتُ أَنَا: لَيْسَ بِسُنَّةٍ فَلَا نَكْتُبُهُ , قَالَ: فَكَتَبَ وَلَمْ أَكْتُبْ فَأَنْجَحَ وَضَيَّعْتُ.
الصحيفة الصحيحة للتابعي همام بن منبه رحمه الله:
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (5/ 312) : همام بن منبه ابن كامل بن سيج الأبناوي الصنعاني المحدث المتقن أبو عقبة صاحب تلك الصحيفة الصحيحة التي كتبها عن أبي هريرة ، وهي نحو من مائة وأربعين حديثا، حدث بها عنه معمر بن راشد ...  ثم قال الذهبي: قال الميموني :  سمعت أحمد بن حنبل يقول في صحيفة همام :  أدركه معمر أيام السودان ، فقرأ عليه همام حتى إذا مل ، أخذ معمر ، فقرأ عليه الباقي ... [انتهى].
وقد وجدت النسخ الخطية لهذه الصحيفة ونشرها الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب، وكذا عمل على بعض نسخها الخطية ونشرها الشيخ علي حسن عبد الحميد .
أثر تدوين التابعين فيمن جمع ورتب بعدهم على الأبواب:
وجد تصنيف لسعيد بن أبي عروبة، ذكره الذهبي في السير(6/ 413) فقال: سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، الْإِمَامُ، الْحَافِظُ عَالِمُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ السُّنَنَ النَّبَوِيَّةَ.  ا هـ
وأيضا الإمام أبو حنيفة رحمه الله له مصنفات, فقد صح أنه لقي أنس بن مالك وإن لم يسمع منه.
 وظهر أثر تدوين التابعين  في تدوين أتباعهم مرتبًا على الأبواب، يقول ابن حجر في مقدمة "فتح الباري (1/ 6) : " فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح (توفي ١٦٠ هـ)، وسعيد بن أبي عروبة (١٥٦هـ) وغيرهما، وكانوا يصنفون كل باب على حدة، إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة؛ فدونوا الأحكام.[انتهى]
وقد وضح السيوطي ما تقدم ذكره في ألفية المصطلح فقال:
أَوَّلُ جامِعِ الحـــــــــديثِ والأَثَرْ ... اِبْنُ شِــــــــهابٍ آمِرًا لَهُ عُمَرْ
وَأَوَّلُ الجَامِـــــــعِ لِلأَبْـــــــــــوَابِ ... جَمَاعَةٌ فِي العَصْرِ ذُو اقْتِرَابِ
كَـــابْنِ جُرَيْجٍ وَهُشَيْمٍ مَـــــــــــالِكِ ... وَمَعْـــــمَرٍ وَوَلَــــــدِ المُبَارَكِ
 
هذا ما تيسر والله وحده من وراء القصد
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه


   
اقتباس
شارك: