الإشعارات
مسح الكل

منهج المتقدمين والمتأخرين في قبول الحديث المرسل ورده


(@user631479)
New Member
انضم: مند 4 أسابيع
المشاركات: 1
بداية الموضوع  

منهج المتقدمين والمتأخرين في قبول الحديث المرسل ورده
بسم الله الرحمن الرحمن
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، أما بعد،
نتكلم في هذه المقالة حول الحديث المرسل الذي اختلف العلماء فيه قديما وحديثا، واستقر رأي المتأخرين على عدم قبوله مطلقا، كما قال الإمام مسلم في «مقدمة صحيحه» (1/30) : «والمرسل من الروايات في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة».
ولكنه مخالف لطريقة المتقدمين، كما قال الإمام أبو داود في «رسالته إلى أهل مكة» (ص: 24) : «وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي حتى جاء الشافعي فتكلم فيها، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره رضوان الله عليهم».
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في «شرح علل الترمذي» (1/ 544) : «وقد ذكر ابن جرير وغيره أن إطلاق القول بأن المرسل ليس بحجة من غير تفصيل بدعة حدثت بعد المائتين».
ولهذا فالحق الذي عليه المحققون من أهل الحديث والفقه: أن المراسيل أنواع، بعضها صحيحة وبعضها ضعيفة، فمن صحاح المراسيل :
أولا : مراسيل كبار التابعين، لأن الظاهر أن التابعي الكبير لا يُرسل إلا عن صحابي، وجهالة الصحابي غير قادح، لأنهم عدول جميعا، قال السيوطي في «تدريب الراوي» (1/263) : «حكى ابن عبد البر عن أئمة الحديث أنهم قالوا: يقبل تدليس ابن عيينة، لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج ومعمر ونظرائهما، ورجَّحه ابن حبان قال: «وهذا شيء ليس في الدنيا إلا لسفيان بن عيينة، فإنه كان يدلس ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد له خبر دلس فيه إلا وقد بين سماعه، عن ثقة مثل ثقته». ثم مثل ذلك بمراسيل كبار التابعين، فإنهم لا يُرسلون إلا عن صحابي».
وقال الإمام الذهبي في «الموقظة» (ص: 38) : «ويقع في المراسيل الأنواع الخمسة الماضية. فمن صحاح المراسيل: مرسل سعيد بن المسيب، ومرسل مسروق ومرسل الصنابحي ومرسل قيس بن أبي حازم. ونحو ذلك.
فإن المرسل إذا صح إلى تابعي كبير، فهو حجة عند خلق من الفقهاء .... وإن صح الإسناد إلى تابعي متوسط الطبقة، كمراسيل: مجاهد وإبراهيم والشعبي، فهو مرسل جيد لا بأس به، يقبله قوم ويرده آخرون.
ومن أوهى المراسيل عندهم: مراسيل الحسن. وأوهى من ذلك: مراسيل الزهري، وقتادة، وحميد الطويل، من صغار التابعين. وغالب المحققين يعدون مراسيل هؤلاء معضلات ومنقطعات، فإن غالب روايات هؤلاء عن تابعي كبير، عن صحابي. فالظن بمرسله أنه أسقط من إسناده اثنين».
قلت: قوله : «وإن صح الإسناد إلى تابعي متوسط الطبقة، كمراسيل: مجاهد وإبراهيم والشعبي، فهو مرسل جيد لا بأس به...» يؤيده عمل الحفاظ النقاد، حيث جودوا مثل هذه المراسيل، ولا يبعد أن يأخذ الذهبي ذلك من عملهم، ومن أمثلتها ما أخرجه أبو داود في «المراسيل» (328) عن مالك بن عمير الحنفي، قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني لقيت العدو ولقيت أبي منهم، فسمعت منه لك حديثا مقالة قبيحة فطعنته بالرمح فقتلته، فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاء آخر فقال: يا نبي الله إني لقيت أبي فتركته فأحببت أن يليه غيري، قال: فسكت عنه». وقال البيهقي في «السنن الكبرى» (9/ 47) بعد تخريجه: «وهذا مرسل جيد».
ثانيا : مراسيل الراوي الثقة إذا كان لا يُرسل إلا عن ثقة، قال الإمام ابن عبد البر في «التمهيد» (1/30) : «وأما الإرسال فكل من عُرف بالأخذ عن الضعفاء والمسامحة في ذلك لم يحتج بما أرسله تابعيا كان أو من دونه، وكل من عُرف أنه لا يأخذ إلا عن ثقة فتدليسه ومرسله مقبول، فمراسيل سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي عندهم صحاح».
وقال الحافظ ابن حجر في «النكت على كتاب ابن الصلاح» (2/552) عند تعداده المذاهب في المرسل: «ثالث عشرها: إن كان المرسِل عُرف من عادته أو صريح عبارته أنه لا يرسِل إلا عن ثقة قبل وإلا فلا. قال الحافظ صلاح الدين العلائي في مقدمة «كتاب الأحكام» ما حاصله: «إن هذا المذهب الأخير أعدل المذاهب في هذه المسألة، فإن قبول السلف للمراسيل مشهور إذا كان المرسِل لا يرسل إلا عن عدل. وقد بالغ ابن عبد البر، فنقل اتفاقهم على ذلك، فقال: لم يزل الأئمة يحتجون بالمرسل إذا تقارب عصر المرسِل والمرسَل عنه، ولم يُعرف المرسِل بالرواية عن الضعفاء. ونقل أبو الوليد الباجي الاتفاق في الشق الآخر، فقال: لا خلاف أنه لا يجوز العمل بالمرسَل إذا كان مرسِله غير متحرِّز يُرسل عن الثقات وعن غير الثقات».
قلت: ويؤيد ذلك نقلُ ابن حبان الاتفاقَ على قبول عنعنة سفيان بن عيينة، مع أنه كان يدلس، لكنه كان مع ذلك لا يدلس إلا عن ثقة، فقبلوا عنعنته لذلك. وقد تقدم عن القاضي أبي بكر وغيره ما يعضده ذلك، والله أعلم. وبهذا المذهب يحصل الجمع بين الأدلة لطرفي القبول والرد، والله أعلم».
وقال الإمام ابن رجب الحنبلي في «شرح علل الترمذي» (1/552) : «ولم يصحح أحمد المرسل مطلقا، ولا ضعَّفه مطلقا، وإنما ضعف مرسل من يأخذ عن غير ثقة، كما قال في مراسيل الحسن وعطاء، وهي أضعف المراسيل، لأنهما كانا يأخذان عن كل. وقال أيضا: «لا يعجبني مراسيل يحيى بن أبي كثير، لأنه يروي عن رجال ضعاف صغار». وكذا قوله في مراسيل ابن جريج، قال: «بعضها موضوعة». وقال مهنا: قلت لأحمد: لم كرهت مرسلات الأعمش؟ قال: «كان الأعمش لا يبالي عمن حدث».
وهذا يدل على أنه إنما يضعف مراسيل من عرف بالرواية عن الضعفاء خاصة، وكان أحمد يقوي مراسيل من أدرك الصحابة، فأرسل عنهم. قال أبو طالب: قلت لأحمد: سعيد بن المسيب، عن عمر، حجة؟ قال: «هو عندنا حجة، وقد رأى عمر وسمع منه، وإذا لم يُقبل سعيد عن عمر فمن يقبل»؟ ومراده أنه سمع منه شيئا يسيرا، لم يرد أنه سمع منه كل ما روى عنه، فإنه كثير الرواية عنه، ولم يسمع ذلك كله منه قطعا.
ونقل مهنا عن أحمد أنه ذكر حديث إبراهيم بن محمد بن طلحة، وقال: قال عمر: «لأمنعن فروج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء»، قال: فقلت له: هذا مرسل عن عمر؟ قال: «نعم، ولكن إبراهيم بن محمد بن طلحة كبير». وقال في حديث عكرمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يسجد على أنفه مع جبهته فلا صلاة له» : «هو مرسل أخشى أن لا يكون شيئا».
وقال في حديث عراك عن عائشة، حديث «حَوِّلوا مقعدتي إلى القبلة»، هو أحسن ما روي في الرخصة، وإن كان مرسلا، فإن مخرجه حسن، ويعني بإرساله أن عراكا لم يسمع من عائشة، وقال: «إنما يروي عن عروة عن عائشة»، فلعله حسَّنه لأن عراكا قد عُرف أنه يروي حديث عائشة عن عروة عنها».
ثالثا : إذا تأيد المرسل بعاضد، مثل أن يجيء من وجه آخر، قال الإمام ابن الصلاح في «مقدمته» (ص: 33) : «نص الشافعي رضي الله عنه في مراسيل التابعين: أنه يُقبل منها المرسل الذي جاء نحوه مسندا، وكذلك لو وافقه مرسَل آخر، أرسله من أخذ العلم عن غير رجال التابعي الأول».
وقال الإمام ابن تيمية في «منهاج السنة» (7/435) : «والمراسيل قد تنازع الناس في قبولها وردها، وأصح الأقوال أن منها المقبول، ومنها المردود، ومنها الموقوف، فمن عُلم من حاله أنه لا يُرسِل إلا عن ثقة قُبل مرسله، ومن عُرف أنه يرسل عن الثقة وغير الثقة كان إرساله روايةً عمن لا يُعرف حاله فهذا موقوف، وما كان من المراسيل مخالفا لما رواه الثقات كان مردودا.
وإذا جاء المرسل من وجهين: كل من الراويين أخذ العلم عن شيوخ الآخر، فهذا مما يدل على صدقه، فإن مثل ذلك لا يتصور في العادة تماثل الخطأ فيه وتعمد الكذب، فإن هذا مما يُعلم أنه صدق، فإن المخبِر إنما يؤتى من جهة تعمد الكذب ومن جهة الخطأ، فإذا كانت القصة مما يُعلم أنه لم يتواطأ فيه المخبِران، والعادة تمنع تماثلهما في الكذب عمدا وخطأ، مثل أن تكون القصة طويلة فيها أقوال كثيرة رواها هذا مثلَ ما رواها هذا، فهذا يُعلم أنه صِدق.
وقال الإمام البيهقي في «المدخل» (1/384) : «قال الشافعي في كتاب «أحكام القرآن» : «وروي عن الحسن ابن أبي الحسن: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدَيْ عدل»، وهذا وإن كان منقطعًا دون النبي صلى الله عليه وسلم، فإن أكثر أهل العلم يقول به، ... وهو ثابت عن ابن عباس وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم».
قال الإمام أحمد: -وهو البيهقي - أكّد الشافعي هاهنا مرسل الحسن هذا بشيئين، أحدهما: أن أكثر أهل العلم يقول به، والثاني: أنه ثابت عن ابن عباس من قوله».
وقال ابن رجب الحنبلي في «شرح علل الترمذي» (1/550) :«قال البيهقي: وليس الحسن وابن سيرين بدون كثير من التابعين، وإن كان بعضهم أقوى مرسلا، منهما أو من أحدهما، وقد قال الشافعي بمرسل الحسن حين اقترن به ما يعضده في مواضع منها: «النكاح بلا ولي» وفي «النهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان».
وقال بمرسل طاوس وعروة وأبي أمامة بن سهل وعطاء بن أبي رباح وعطاء بن يسار وابن سيرين وغيرهم من كبار التابعين، حين اقترن به ما أكَّده، ولم يجد ما هو أقوى منه، كما قال بمرسل ابن المسيب في النهي عن بيع اللحم بالحيوان، وأكَّده بقول الصديق وبأنه رُوي عن وجه آخر مرسلا. وقال: مرسل ابن المسيب عندنا حسن».
وبعد هذا التقرير نحتاج إلى معرفة من لا يُرسِل إلا عن ثقة، ويحصل لنا العلم بذلك من طرق، إما بتصريح الراوي الثقة نفسه: أنه لا يُرسل إلا عن ثقة، وإما بتصريح أئمة الحديث بذلك فيه، أو بتصحيحهم مراسيله، فإن المحدثين لا يُصححون مرسَله إلا إذا علموا من عادته أنه لا يُرسِل إلا عن ثقة فيجدر بنا نقلُ كلام الأئمة في مراسيل الرواة المعينين لتحصل لنا من خلال ذلك ممارسة تطبيقية :
مراسيل سعيد ابن المسيب :
قال الإمام ابن القيم في «زاد المعاد» (5/166) : «وقد روى يحيى بن سعيد الأنصاري عن ابن المسيب، قال: قال عمر: «أيما امرأة زُوِّجت، وبها جنون أو جذام أو برص، فدخل بها ثم اطلع على ذلك، فلها مهرها بمسيسه إياها، وعلى الولي الصداق بما دلَّس كما غرَّه».
ورد هذا بأن ابن المسيب لم يسمع من عمر من باب الهذيان البارد المخالف لإجماع أهل الحديث قاطبة، قال الإمام أحمد: «إذا لم يقبل سعيد بن المسيب عن عمر، فمن يقبل؟». وأئمة الإسلام وجمهورهم يحتجون بقول سعيد بن المسيب: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم» فكيف بروايته عن عمر رضي الله عنه، وكان عبد الله بن عمر يُرسِل إلى سعيد يسأله عن قضايا عمر، فيفتي بها، ولم يطعن أحد قط من أهل عصره ولا من بعدهم ممن له في الإسلام قول معتبر في رواية سعيد بن المسيب عن عمر، ولا عبرة بغيرهم».
وقال الإمام ابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» (3/ 128) : «مرسل سعيد حجة».
قال الحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص: 25) : «وأصحها مراسيل سعيد بن المسيب، والدليل عليه أن سعيدا من أولاد الصحابة، فإن أباه المسيب بن حزن من أصحاب الشجرة وبيعة الرضوان، وقد أدرك سعيد عمر وعثمان وعليا وطلحة والزبير إلى آخر العشرة، وليس في جماعة التابعين من أدركهم وسمع منهم غير سعيد وقيس بن أبي حازم، ثم مع هذا فإنه فقيه أهل الحجاز ومفتيهم، وأول فقهاء السبعة الذين يعد مالك بن أنس إجماعهم إجماع كافة الناس. سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب يقول: سمعت العباس الدوري يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: «أصح المراسيل مراسيل سعيد بن المسيب».
مراسيل ابراهيم النخعي :
أسند الترمذي في «العلل الصغير» (ص: 754) عن الأعمش، قال: «قلت لإبراهم النخعي: أسنِد لي عن عبد الله بن مسعود، فقال إبراهيم: إذا حدثتك عن رجل عن عبد الله فهو الذي سميت، وإذا قلت: «قال عبد الله» فهو عن غير واحد عن عبد الله». قال ابن عبد البر في «التمهيد» (1/38) : «إلى هذا نزع من أصحابنا من زعم أن مرسل الإمام أولى من مسنده، لأن في هذا الخبر ما يدل على أن مراسيل إبراهيم النخعي أقوى من مسانيده، وهو لعمري كذلك، إلا أن إبراهيم ليس بعيار على غيره».
وأسند ابن عدي في «الكامل» (4/104) عن ابن معين، قال: «مرسلات إبراهيم صحيحة إلا حديث تاجر البحرين وحديث الضحك في الصلاة».
وقال القاضي أبو يعلى في «العدة» (3/907) : «قال أحمد في رواية الفضل بن زياد:مرسلات سعيد في المسيّب أصح المرسلات، ومرسلات إبراهيم لا بأس بها، وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح، فإنهما يأخذان عن كلٍّ».
وقال السيوطي في «تدريب الراوي» : (1/231) : «وأما مراسيل النخعي، فقال ابن معين: «مراسيل إبراهيم أحب إلي من مراسيل الشعبي». وعنه أيضا: «أعجب إلي من مرسلات سالم بن عبد الله، والقاسم، وسعيد بن المسيب». وقال أحمد: «لا بأس بها».
وقال ابن القيم في «زاد المعاد» (5/580) : في بحث «عدة الأمة» : «وذكر عبد الرزاق عن معمر، عن المغيرة، عن إبراهيم النخعي، عن ابن مسعود، قال: «يكون عليها نصف العذاب، ولا يكون لها نصف الرخصة» .... وإبراهيم لم يسمع من عبد الله، ولكن الواسطة بينه وبينه أصحاب عبد الله كعلقمة ونحوه. وقد قال إبراهيم: إذا قلت: «قال عبد الله» فقد حدثني به غير واحد عنه، وإذا قلت: «قال فلان عنه» فهو عمن سميت، أو كما قال.
ومن المعلوم أن بين إبراهيم وعبد الله أئمة ثقات لم يسم قط متهما، ولا مجروحا، ولا مجهولا، فشيوخه الذين أخذ عنهم عن عبد الله: أئمة أجلاء نبلاء، وكانوا كما قيل: «سُرُج الكوفة»، وكل من له ذوق في الحديث إذا قال إبراهيم: «قال عبد الله» لم يتوقف في ثبوته عنه، وإن كان غيره ممن في طبقته لو قال: «قال عبد الله»، لا يحصل لنا الثبت بقوله، فإبراهيم عن عبد الله نظير ابن المسيب عن عمر ونظير مالك عن ابن عمر، فإن الوسائط بين هؤلاء وبين الصحابة رضي الله عنهم إذا سَمُّوهم وُجدوا من أجلِّ الناس وأوثقهم وأصدقهم، ولا يُسَمُّون سواهم البتة».
وقال الدارقطني في سننه (4/ 226) إثر حديث (3365) : «وهذه الرواية وإن كان فيها إرسال يعني بين إبراهيم وابن مسعود، ولكن إبراهيم النخعي هو أعلم الناس بعبد الله بن مسعود وبرأيه وبفتياه، قد أخذ ذلك عن أخواله: علقمة والأسود وعبد الرحمن ابني يزيد وغيرهم من كبار أصحاب عبد الله، وهو القائل: إذا قلت لكم: قال عبد الله بن مسعود، فهو عن جماعة من أصحابه، وإذا سمعته من رجل واحد سميته لكم».
مراسيل الشعبي :
قال العجلي في «معرفة الثقات» (823) : «مرسل الشعبي صحيح لا يكاد يرسل إلا صحيحا». وقال الحافظ في «تهذيب التهذيب» (5/68) : «قال الآجري عن أبي داود: مرسل الشعبي أحب إلي من مرسل النخعي».
وقد جَوَّد الذهبي مراسيلَ الشعبي كما مرَّ ذلك في أول المبحث.
مراسيل عروة بن الزبير :
أسند ابن عبد البر في «التمهيد» (1/ 38) عن عروة بن الزبير، قال: «إني لأسمع الحديث أستحسنه، فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع فيقتدي به، وذلك أني أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدَّث به عمن أثق به، أو أسمعه من رجل أثق به قد حدث به عمن لا أثق به، فلا أحدث به». ثم قال ابن عبد البر: «هذا فعل أهل الورع والدين، كيف ترى في مرسل عروة بن الزبير، وقد صحَّ عنه ما ذكرنا؟ أليس قد كفاك المؤنة؟ ولو كان الناس على هذا المذهب كلهم لم يحتج إلى شيء مما نحن فيه. وفي خبر عروة هذا دليل على أن ذلك الزمان كان يحدث فيه الثقة وغير الثقة، فمن بحث وانتقد كان إماما، ولهذا شرطنا في المرسَل والمقطوع إمامة مرسِله وانتقاده لمن يأخذ عنه وموضعه من الدين والورع والفهم والعلم».
مراسيل ابن سيرين :
قال القاضي أبو يعلى في «العدة» (3/924) : «قال أحمد في رواية أبي الحارث: مرسلات ابن سيرين صِحاح حسنة المخرج».
وقال الإمام ابن تيمية في «منهاج السنة النبوية» (6/ 237) : «ومحمد بن سيرين من أورع الناس في منطقه، ومراسيله من أصح المراسيل».
قلت: وقد مرَ معنا قول ابن عبد البر في أول المبحث: «فمراسيل سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي عندهم صحاح». يعني أنها صحيحة عند المحدثين.
مراسيل مجاهد :
أخرج الإمام الترمذي في «العلل الصغير» (6/250) وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (1/243) وفي «المراسيل» (ص: 4) بأسانيد شتى: عن على بن المديني، قال: قال يحيى بن سعيد: «مرسلات مجاهد أحب إلى من مرسلات عطاء بن أبى رباح بكثير، ... قال علي: قلت ليحيى: مرسلات مجاهد أحب إليك أم مرسلات طاؤس؟ قال: «ما أقربهما».
وقد جَوَّد الذهبي مراسيلَ مجاهد كما مرَّ ذلك في أول المبحث.
مراسيل طاوس:
أسند ابن عبد البر في «التمهيد (1/39) عن الإمام الشافعي قال: «كان ابن سيرين وإبراهيم النخعي وطاوس وغير واحد من التابعين يذهبون الى أن لايقبلوا الحديث إلا عن ثقة يعرف ما يروي ويحفظ».
قلت: وقد مرَّ آنفا من قول يحيى القطان ما يدل على أن مراسيل طاوس صحيحة عنده مثل مراسيل مجاهد. ويظهر من صنيع الإمام البخاري أنه يُصحح مراسيل طاوس أيضا، حيث أخرج في صحيحه تعليقا( ) عن طاوس، قال: «قال معاذ رضي الله عنه لأهل اليمن: ائتوني بعرْض ثياب خميص( ) - أو لبيس - في الصدقة مكانَ الشعير والذُّرَّة، أهون عليكم وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة». وبوَّب عليه البخاري بقوله: «باب العرض في الزكاة». والطاوس لم يُدرك معاذ بن جبل، ومع ذلك احتجَّ البخاري بمرسَله على جواز دفع القيمة في زكاة الأموال وصدقة الفطر.( ) يقول الحافظ في «الفتح» (3/312) : «هذا التعليق صحيح الإسناد إلى طاوس، لكن طاوس لم يسمع من معاذ، فهو منقطع، .... إلا أن إيراده له في معرض الاحتجاج به يقتضي قوته عنده».
مراسيل سعيد بن جبير :
أخرج الإمام الترمذي في «العلل الصغير» (6/250) وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (1/243) وفي «المراسيل» (ص: 4) بطرق شتى عن يحيى بن سعيد القطان، قال: «مرسلات سعيد ابن جبير أحب إلى من مرسلات عطاء».
وقد أشار أبو داود إلى أن مراسيله عن النبي صلى الله عليه وسلم مسندة عن ابن عباس، فقد أخرج أبو داود في سننه (1301) من طريق طلق بن غنام، عن يعقوب بن عبد الله، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في الركعتين بعد المغرب حتى يتفرق أهل المسجد». ثم أخرجه عن أحمد بن يونس وسليمان بن داود عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بمعناه،
ثم قال أبو داود: «مرسل، سمعت محمد بن حميد يقول: سمعت يعقوب يقول: «كل شيء حدثتكم عن جعفر بن المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو مسند، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم».
مراسيل عمرو بن دينار ومعاوية بن قرة :
أخرج الإمام ابن أبي حاتم في «المراسيل» (ص: 5) : عن يحيى بن سعيد القطان، قال: «مرسلات ابن أبي خالد، يعني إسماعيل بن أبي خالد ليس بشيء، ومرسلات عمرو بن دينار أحب إلي».
وأخرج عن يحيى القطان أيضا، قال: «مرسلات معاوية بن قرة أحب إلي من مرسلات زيد بن أسلم».
مراسيل الحسن :
قال الإمام البخاري في «التاريخ الكبير» (5/452) : «قال الهيثم بن عبيد: حدثني أبي، عن الحسن، قال: «قال رجل: إنك تحدثنا قال النبي صلى الله عليه وسلم، فلو كنت تُسنِد لنا، قال: والله ما كَذبناك، ولا كُذبنا، لقد غزوتُ إلى خراسان، معنا فيها ثلاث مئة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم».
وقال الإمام الترمذي في «العلل الصغير» (ص: 754) : «حدثنا سوار بن عبد الله العنبري قال: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: «ما قال الحسن في حديثه: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم» إلا وجدنا له أصلا إلا حديثا أو حديثين».
وقال الإمام أبو عبد الله المقدمي في «تاريخه» (ص: 201) : «حدثني أبي، قال: سمعت علي بن المديني يقول: « .... مرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح ما أقل ما يسقط منها».
وقال الحافظ ابن عدي في «الكامل» (1/228) : «سمعت الحسن بن عثمان يقول: سمعت أبا زرعة يقول: «كل شيء قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجدت له أصلا ثابتا ما خلا أربعة أحاديث».
وقال الحافظ ابن حجر في «الأربعون في عوالي المجيزين» : (ولعله أراد ما جزم به الحسن).
وقال الشيخ عبد الفتاح في تعليقه على «قواعد في علوم الحديث» (ص: 153) وهذا التقييد ضروري، ولعله يكون توفيقا بين ما ذُكر أعلاه في مراسيل الحسن من أنها صحاح، ... وقولِ الدارقطني: «مراسيله فيها ضعف» وقول ابن عبد البر في «التمهيد»(1/30) : «وقالوا: مراسيل عطاء والحسن لا يُحتج بها، لأنهما كانا يأخذان عن كل أحد. وكذلك مراسيل أبي قلابة وأبي العالية». وقولِ الحافظ العراقي في شرح «ألفيته» في بحث الموضوع (1/315) : «مراسيل الحسن عندهم شبه الريح». والله أعلم.
قلت: وبها يُوَفَّقُ بين قولي أحمد في مراسيل الحسن، فقد حكى القاضي أبو يعلى الحنبلي في «العدة» (3/920) من رواية أبي الحارث والفضل بن زياد عن أحمد، أنه قال: «ليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء، ثم ذكر في (ص: 923) : من رواية أبي طالب، أنه سأل أحمدَ عن رجل يقول : «ما قال الحسن: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وجدناه من حديث أبي هريرة وعائشة ُوسَمُرة»، قال: «صدق». وذكر في (ص: 924) من رواية مُهَنَّا، وقد سأله: هل شيء يجيء عن الحسن؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: «هو صحيح، ما نكاد نجدها إلا صحيحة». فيُحمل القول الأول على ما لم يجزم فيه الحسن بكونه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويُحمل الثاني على ما جزم فيه بذلك.
والسبب في ذلك أن مثل الحسن – في دينه وورعه وتقواه – يبعد عنه أن يجزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله، إلا إذا ثبت عنده ثبوتا قويا بإسناد صحيح، ولو لم يذكره، على سبيل عادة الصحابة والتابعين في الإرسال،( ) وهذا مثل قول ابن الصلاح في «مقدمته» (ص: 24) حولَ تعليقات البخاري : (وينبغي أن نقول: ما كان من ذلك ونحوه بلفظ فيه جزم، وحكم به على من علَّقه عنه، فقد حكم بصحته عنه، مثاله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذا وكذا، قال ابن عباس: كذا، قال مجاهد: كذا، ... رَوى أبو هريرة كذا وكذا، وما أشبه ذلك من العبارات. فكل ذلك حكم منه على من ذكره عنه بأنه قد قال ذلك ورواه، فلن يستجيز إطلاق ذلك إلا إذا صح عنده ذلك عنه».
مراسيل شريح القاضي :
قال العلامة ظفر أحمد العثماني في «قواعد في علوم الحديث» (ص: 152) : «وينبغي أن يكون مرسل شُريح القاضي أيضا صحيحا كمراسيل ابن المسيب والنخعي، فإنه مخضرم ثقة من أجِلَّة التابعين الكبار، استقضاه عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، وجُلُّ روايته عن الصحابة. وذكر أبو نُعيم في «الصحابة» (3754) بسنده ما يدل على لُقيِّه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ورواه ابن السكن من هذا الوجه في كتاب «الصحابة» له، وقال: «لم أجد له ما يدلّ على لقيه لرسول الله صلّى اللَّه عليه وسلم غير هذا». ولأجله ذكره الحافظ في «الإصابة» (3/271) في القسم الأول من الصحابة.
فتابعي محتمَل الصحبة أولى بصحة الإرسال من التابعين، فإن إرساله قريب من إرسال الصحابي [ومراسيل الصحابة حجة بالاتفاق] وقد مرَّ من ابن حبان والذهبي قبول مراسيل كبار التابعين، لكونهم لا يُرسلون إلا عن الصحابة». (انتهى بتغيير يسير)
قلت: ويؤيده ما أخرجه أبو داود في «المراسيل» (328) عن مالك بن عمير الحنفي، قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني لقيت العدو ولقيت أبي منهم، فسمعت منه لك حديثا مقالة قبيحة فطعنته بالرمح فقتلته، فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاء آخر فقال: يا نبي الله إني لقيت أبي فتركته فأحببت أن يليه غيري، قال: فسكت عنه». وقال البيهقي في «السنن الكبرى» (9/47) بعد تخريجه: «وهذا مرسل جيد». وإنما جوده لأن مالك بن عمير مخضرم من كبار التابعين، وأروده يعقوب بن سفيان فى الصحابة، فهذا تصحيح من الإمام البيهقي لمراسيل المخضرمين.
مراسيل محمد بن المنكدر :
وقال العلامة العثماني أيضا (ص: 154) : وكذا مراسيل محمد بن المنكدر صحاح، قال الحافظ في «تهذيب التهذيب» (9/ 474) : «قال ابن عيينة: «ما رأيت أحدا أجدر أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يُسأل: عمن هو؟، من ابن المنكدر»، يعني لتحريه».
مراسيل الزهري :
قال الإمام ابن أبي حاتم في «المراسيل» (ص: 3) : «حدثنا أحمد بن سنان، قال: كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئا، ويقول: «هو بمنزلة الريح». ويقول: «هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشيء علقوه».
وقال أيضا: «قرىء على عباس الدوري، عن يحيى بن معين: قال: «مراسيل الزهري ليس بشيء».
وضعفه الشافعي أيضا في «الرسالة» (1/469) بأنه يُرسِل عن سليمان بن أرقم، وهو متروك بالاتفاق.
قال الشيخ عوامة في تعليقه على «تدريب الراوي» : «وهذا الحكم هو المشهور في مراسيل الزهري، ولكن ينبغي بيان الرأي الآخر فيها، فقد روى يعقوب بن سفيان في «تاريخه» (1/686) : أنه سمع جعفر بن عبد الواحد الهاشمي يقول لأحمد بن صالح: قال يحي بن سعيد: مرسل الزهري شبه لا شيء!، فغضب أحمد وقال: «ما ليحي ومعرفة علم الزهري!، ليس كما قال يحي». وأحمد بن صالح: من شيوخ البخاري، وكان يُنَظَّر بأحمد بن حنبل،( ) وكان يُنَظَّر بالذهلي في معرفته بحديث الزهري،( ) فلا بُدَّ أن يكون لقوله هذا وجاهة واعتبار».
مراسيل عطاء

قال ابن عبد البر في «التمهيد» (1/30) : «وقالوا: مراسيل عطاء والحسن لا يُحتج بها، لأنهما كانا يأخذان عن كل أحد. وكذلك مراسيل أبي قلابة وأبي العالية».
وقال الإمام ابن رجب الحنبلي في «شرح علل الترمذي» (1/552) : «ولم يصحح أحمد المرسل مطلقا، ولا ضعَّفه مطلقا، وإنما ضعف مرسل من يأخذ عن غير ثقة، كما قال في مراسيل الحسن وعطاء، وهي أضعف المراسيل، لأنهما كانا يأخذان عن كل».
مراسيل قتادة بن دعامة السدوسي (م 117)
قال الإمام الذهبي في «الموقظة» (ص: 40) : «ومن أوهى المراسيل عندهم: مراسيل الحسن. وأوهى من ذلك: مراسيل الزهري وقتادة وحميد الطويل، من صغار التابعين. وغالب المحققين يعدون مراسيل هؤلاء معضلات ومنقطعات، فإن غالب روايات هؤلاء عن تابعي كبير، عن صحابي. فالظن بمرسِله أنه أسقط من إسناده اثنين».



   
اقتباس
شارك: