السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
طرح العلامة عبد الرحمن بن خلدون في «مقدمته» تحليلاً اجتماعياً واقتصادياً عميقاً حول سبب عدم تعاظم ثروات القائمين بأمور الدين (من القضاء والفتيا والتدريس والإمامة والخطابة والأذان) في الغالب.
بيّن ابن خلدون أن الكسب هو قيمة الأعمال البشرية، وتتفاوت بحسب شدة الحاجة إليها وعموم البلوى بها:
"فإذا كانت الأعمال ضرورية في العمران عامة البلوى بها، كانت قيمتها أعظم والحاجة إليها أشد. وأهل هذه الصنائع الدينية لا تضطر إليهم عامة الخلق، وإنما يحتاج إلى ما عندهم الخواص ممن أقبل على دينه.."
ولذا يقسم لهم صاحب الدولة حظاً من الرزق في دواوين بيت المال بحسب عموم الحاجة العمرانية، فلا يقع في قسمتهم إلا القليل مقارنة بأهل الشوكة (الجيش والسلطان) أو أصحاب التجارات والصنائع الضرورية.
أضاف ابن خلدون سبباً أخلاقياً ونفسياً يمنع أهل العلم والدين من استدرار الرزق بالمداهنة:
"وهم أيضاً لشرف بضائعهم أعزة على الخلق وعند نفوسهم، فلا يخضعون لأهل الجاه حتى ينالوا منه حظاً يستدرون به الرزق، بل ولا تفرغ أوقاتهم لذلك لما هم فيه من الشغل بهذه البضائع الشريفة.. ولا يسعهم ابتذال أنفسهم لأهل الدنيا، فلذلك لا تعظم ثروتهم في الغالب".
ويروي ابن خلدون أنه باحث بعض الفضلاء في هذه المسألة فأنكرها عليه، حتى وقعت في يده وثيقة تاريخية حاسمة:
"فوقع بيدي أوراق مخزقة من حسابات الدواوين بدار المأمون تشتمل على كثير من الدخل والخرج، وكان فيما طالعتُ فيه أرزاق القضاة والأئمة والمؤذنين، فوقفته عليه، وعلم منه صحة ما قلته ورجع إليه، وقضينا العجب من أسرار الله في خلقه وحكمته في عوالمه".
| الكلمة | المعنى المباشر |
| عَامَّةُ البَلْوَى | الأمور الشائعة والضرورية التي يمتد احتياج جميع الناس إليها في حياتهم اليومية. |
| العُمْرَان | المجتمع والحضارة وتطوير المدينة والسكان. |
| أَهْلُ الشَّوْكَة | أصحاب القوة والسلطان والجيش. |
| يَسْتَدِرُّونَ بِهِ الرِّزْق | يطلبون به جلب الأموال والأرزاق بكثرة. |
| دَوَاوِين دَارِ المَأْمُون | سجلات ومحاسبات بيت المال والدولة في العصر العباسي. |