السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
حَفِلَت كتب الأدب والتراجم والتاريخ بالأقوال الخالدة للعلماء والأئمة في صبرهم على الشدائد الخانقة، واستهانتهم بالفقر والفاقة، احتساباً للأجر وثباتاً على طلب العلم.
سأل أحدهم الفقر عن مسكنه ومنزله ليعرفه فيجتنبه، فأخبره الفقر أنه جليسه وأنيسه لا يفارقه!:
قُلْتُ لِلْفَقْرِ: أَيْن أنت مقيم؟ ... قَالَ لِي: فِي عَمَائِمِ الفُقَهَاءِ
إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ إِخَاءً ... وَعَزِيزٌ عَلَيَّ تَرْكُ الإِخَاءِ
وقال آخر مشيراً إلى التلازم العجيب بين كلمة (الفقه) و(الفقر)، وأن الفرق بينهما مجرد استدارة حرف:
إِنَّ الفَقِيهَ هُوَ الفَقِيرُ وَإِنَّمَا ... تَجَمَّعَتْ أَطْرَافُهَا رَاءُ الفَقِيرِ
يستهين الإمام الشافعي (رحمه الله) بسطوة الفقر، ويكسر جبروتها بصبره وعزة نفسه في أبياته المنسوبة إليه:
أَمْطِرِي مَسَاءَ سَرَنْدِيبَ ... وَأَخْرِجِي آَبَارَ تُكْرُورَ تِبْرَا
أَنَا إِنْ عِشْتُ لَسْتُ أُعْدَمُ قُوتًا ... وَلَئِنْ مُتُّ لَسْتُ أُعْدَمُ قَبْرَا
هِمَّتِي هِمَّةُ المُلُوكِ ... وَنَفْسِي نَفْسُ حُرٍّ تَرَى المَذَلَّةَ كُفْرَا
ونقل الإمام النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» عن الشافعي أنه قال:
"ما أفلح في العلم إلا من طلبه في القِلّة، ولقد كنتُ أطلب القرطاس فيعسر عليّ".
وقال أيضاً:
"لا يطلب أحد هذا العلم بالمال وعزّة النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذلّة النفس، وضيق العيش، وخدمة المعلّم، والتواضع في النفس؛ أفلح".
وقد قيل قداماً: «مَنْ ذَلَّ لِلْعِلْمِ طَالِبًا، عَزَّ مَطْلُوبًا».
| الكلمة | المعنى المباشر |
| سَرَنْدِيب | جزيرة كبيرة تقع في أقصى الهند بالمشرق (سريلانكا حالياً). |
| تُكْرُور | اسم بلد في أقصى بلاد المغرب/إفريقيا. |
| تِبْرَا | ذهباً خالصاً قبل أن يُصاغ. |
| لَسْتُ أُعْدَمُ قُوتًا | لن أعدم أو أفقِد رزقي وقوتي المكتوب لي. |
| القِرْطَاس | الورق الذي يُكتب عليه العلم. |