الإشعارات
مسح الكل

معجزة التأليف والهمة: كيف كتب ابن جرير الطبري ٣٥٨ ألف ورقة؟


(@user186955)
Honorable Member
انضم: مند 10 أشهر
المشاركات: 242
بداية الموضوع  

 

{ ابن جرير كان يكتب كل يوم أربعين ورقة تأليفاً }

 

قال الخطيب: وسمعت السمسمي يحكي أن ابن جرير مكث أربعين سنة، يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة. وحدث تلميذه أبو محمد عبد الله بن أحمد بن جعفر الفرغاني، في كتابه المعروف بكتاب ((الصلة))، وهو كتاب وصل به ((تاريخ ابن جرير)): أن قوما من تلاميذ ابن جرير، حصلوا أيام حياته - أي جمعوها -، منذ بلغ الحلم إلى أن توفي وهو ابن ست وثمانين سنة، ثم قسموا عليها أوراق مصنفاته، فصار منها على كل يوم أربع عشرة ورقة. وهذا شيء لا يتهيأ لمخلوق إلا بحسن عناية الخالق)). انتهى. تبارك الله ماذا تبلغ الهمم!

 

[مجموع ما صنفه ابن جرير نحو ٣٥٨ ألف ورقة]

 

وقد ولد ابن جرير سنة ٢٢٤، وتوفي سنة ٣١٠، فعاش ٨٦ سنة، وإذا طرحنا منها سنه قبل البلوغ وقدرناها بأربع عشرة سنة، يكون قد بقي ابن جرير ثنتين وسبعين سنة يكتب كل يوم ١٤ ورقة، فإذا حسبنا أيام الاثنين والسبعين سنة، وجعلنا لكل يوم منها ١٤ ورقة تصنيفا، كان مجموع ما صنفه الإمام ابن جرير نحو ٣٥٨ ألف ورقة.

 

وقد اعتبروا كلاً من ((تاريخه)) و ((تفسيره)) نحو ثلاثة آلاف ورقة، فيكون الكتابان مجموعهما نحو سبعة آلاف ورقة أو ثمانية آلاف ورقة. وقد جاء التاريخ مطبوعا في أحد عشر جزءا كبيراً، وجاء التفسير مطبوعاً في ثلاثين جزءا كبيراً، من الأجزاء الكبار التي يكون كل جزء منها مجلداً.

 

فاحسب حساب الباقي من أوراق مصنفاته، وهو ٣٥١ ألف ورقة، لتعرف كم تبلغ مؤلفات هذا الإمام، الذي كان في علومه بمثابة مجمع علمي واسع الفنون، وفي كثرة تآليفه بمثابة دار للنشر، وهو فرد واحد بنفسه، يكتب بقلمه لنفسه، ويؤلف على ورقة بنفسه، ويخرج للناس فكره وعلمه: عسلا مصفى وزبدا شهيا، وما كان يكون له كل ذلك، لولا أنه كان يكسب وقته، ويدري كيف يملؤه بالاستفادة والتأليف.

 

[تنظيم ابن جرير لأوقاته وأعماله]

 

قال القاضي أبو بكر بن كامل - أحمد بن كامل الشجري - تلميذ ابن جرير وصاحبه، يصف انتظام أوقات ابن جرير وأعماله رحمه الله تعالى:

 

((كان إذا أكل نام في الخيش - ثياب في نسجها رقة، وخيوطها غلاظ، تتخذ من مشاقة الكتان، تلبس في الحر عند النوم لبرودتها على الجسم -، في قميص قصير الأكمام، مصبوغ بالصندل وماء الورد.

 

ثم يقوم فيصلي الظهر في بيته، ويكتب في تصنيفه إلى العصر، ثم يخرج فيصلي العصر، ويجلس للناس يقرئ ويقرأ عليه إلى المغرب، ثم يجلس للفقه والدرس بين يديه إلى العشاء الآخرة، ثم يدخل منزله. وقد قسم ليله ونهاره في مصلحة نفسه، ودينه، والخلق، كما وفقه الله عز وجل)). انتهى.

 

[ابن جرير يكتب معلومة قبيل وفاته بساعة]

 

وقال الأستاذ محمد كردعلي، في كتابه ((كنوز الأجداد)) (١)، في ترجمة الإمام ابن جرير الطبري: ((وما أثر عنه أضاع دقيقة من حياته في غير الإفادة والاستفادة، روى المعافى بن زكريا عن بعض الثقات، أنه كان بحضرة أبي جعفر الطبري رحمه الله تعالى قبل موته، وتوفي بعد ساعة أو أقل منها، فذكر له هذا الدعاء عن جعفر بن محمد، فاستدعى محبرة وصحيفة فكتبه، فقيل له: أفي هذه الحال؟! فقال: ينبغي للإنسان أن لا يدع اقتباس العلم حتى الممات)). فرحمه الله وجزاه عن العلم والدين والإسلام وأهله خير الجزاء.

 

[بقاء ذكر ابن جرير ببقاء مؤلفاته وآثاره الخالدة]

 

هذه إلماعة عابرة إلى مؤلفات الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى، دون تعدادها وإحصائها وذكر أسمائها وبيان موضوعاتها، وقد كتب لطائفة منها البقاء إلى يومنا هذا، فهي أكثر تذكيرا من الأولاد والأحفاد ولو بلغوا العشرة أو العشرين أو الثلاثين إنسانا، فإنهم ينغمرون في صفحات الفناء بعد قليل من الزمان، ويدخلون في طيات الإغفال والنسيان أما هذه المؤلفات فهي الذكر الدائم الحسن له على مدى الأزمان، وقد مضى على وفاته ألف ونحو مئة عام، فهي باقية ما تعاقب الملوان إلى ما شاء الله تعالى. وصدق الإمام ابن الجوزي إذ قال: كتاب العالم ولده المخلد،،

 

 

----------- 



   
اقتباس
شارك: