السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
يروي الشيخ عطية سالم (رحمه الله) موقفاً عملياً يبيّن كيف كان شيخه العلامة محمد الأمين الشنقيطي يترجم الأبيات الشعرية في السهر والمكابدة إلى واقعٍ ملموس حتى تُذلَّل له أصعب المسائل:
وَلِي شَغَفٌ بِأَبْكَارٍ عَذَارَى ... كَأَنَّ وُجُوهَهَا ضَوْءُ الصَّبَاحِ
أَبِيتُ مُفَكِّرًا فِيهَا فَتَضْحِي ... لِفَهْمِ الفَدْمِ خَافِضَةَ الجَنَاحِ
حدث العلامة الشنقيطي تلميذه عطية سالم قائلاً:
"جئتُ للشيخ في قراءتي عليه، فشرح لي كما كان يشرح، ولكنه لم يشفِ ما في نفسي على ما تعودت، ولم يَرْوِ لي ظمئي! وقمتُ من عنده وأنا أجدني في حاجة إلى إزالة بعض اللبس وإيضاح بعض المشكل..".
بدأت رحلة البحث والتدقيق منذ وقت الظهيرة ولم تتوقف:
"وكان الوقت ظهراً، فأخذتُ الكتب والمراجع وطالعتُ حتى العصر فلم أفرغ من حاجتي، فعاودتُ حتى المغرب فلم أنتهِ أيضاً!
فأوقد لي خادمي أعواداً من الحطب أقرأ على ضوئها كعادة الطلاب، وواصلتُ المطالعة، وأتناول الشاهي الأخضر كلما مللتُ أو كسلتُ.. حتى انبثق الفجر وأنا في مجلسي! لم أقم إلا لصلاة فرض أو تناول طعام".
استمرت المطالعة حتى ارتفع النهار، وتحقق الهدف المنشود:
"وإلى أن ارتفع النهار، وقد فرغتُ من درسي وزال عني لبسي، ووجدتُ هذا المحل من الدرس كغيره في الوضوح والفهم! فتركتُ المطالعة ونمتُ، وأوصيتُ خادمي أن لا يوقظني لدرسي في ذلك اليوم اكتفاءً بما حصلتُ عليه، واستراحةً من عناء سهر البارحة".
فقد بات مفكراً في غوامض المسائل، فأضحت بفهمه وسهره سهلة ميسرة خافضة الجناح!
| الكلمة | المعنى المباشر |
| أَبْكَارٌ عَذَارَى | استعارة للمسائل العلمية الدقيقة والجديدة التي لم يُسبق إلى استخراجها. |
| الفَدْم | الثقيل الفهم أو البطيء الإدراك (من باب التواضع). |
| خَافِضَةَ الجَنَاح | ذليلة ومطواعة وسهلة الفهم والانقياد. |
| لَمْ يَشْفِ مَا فِي نَفْسِي | لم يزل شكّي أو تساؤلي بالقدر الكافي. |
| انْبَثَقَ الفَجْر | طلع وظهر ضوؤه وانشق الظلام. |