السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
نختم هذه السلسلة المشرقة من سِيَرِ أصحاب الهمم العالية بموقفٍ يسطره العلامة شهاب الدين محمود الآلوسي البغدادي (صاحب التفسير الشهير «روح المعاني») واصفاً شغفه بتفسير كتاب الله قبل أن يبلغ العشرين من عمره، تُتبَعُ بقاعدةٍ ذهبية للعلامة ابن مفلح.
يقول العلامة الآلوسي عن بداياته المبكرة:
"وإني واللهِ المنة مذ مِيطَتْ عني التمائم، ونيطت على رأسي العمائم، لم أزل متطلباً لاستكشاف سرّه المكتوم، مترقباً لارتشاف رحيقه المختوم..
طالما فرّقتُ نومي لجمع شوارده، وفارقتُ قومي لوصال خرائده! فلو رأيتني وأنا أصافح بالجبين صفحات الكتاب من السهر، وأطالع -إن أعوز الشمع يوماً- على نور القمر!
وأمثالي إذ ذاك يرفلون في مطارف اللهو، وِيُرْقِلُون في ميادين الزهو.. وأنا مع حداثة سني وضيق عَطَنِي، لا تغرني حالهم، ولا تغيرني أفعالهم".
أنشد الإمام ابن عبد القوي في «منظومة الآداب»:
وَلا تَسْأَمَنْ مِنَ العِلْمِ وَاسْهَرْ لِنَيْلِهِ ... بِلا ضَجَرٍ تُحْمَدْ سُرَى اللَّيْلِ فِي غَدِ
وعلق العلامة ابن مفلح شارحاً هذه الحقيقة الخالدة:
"فَمَنْ أَلِفَ السُّهَادَ، وَتَرَكَ الوِسَادَ وَالمِهَادَ، وَجَابَ البِلادَ، وَحُرِمَ الأَهْلَ وَالأَوْلادَ؛ نَالَ مِنْهُ المَرَادَ!
مَنْ طَلَبَ وَجَدَّ وَجَدَ، وَمَنْ قَرَعَ البَابَ وَوَلَجَ وَلَجَ، وَمَنْ أَلِفَ السَّآمَةَ وَالنَّوْمَ؛ لَمْ يَنَلْ مَا نَالَ القَوْمُ".
| الكلمة | المعنى المباشر |
| مِيطَتْ التَّمَائِم / نِيطَتِ العَمَائِم | زالت تمائم الصبا والطفولة، ورُبطت عمائم الشباب والتكليف. |
| يُرْقِلُونَ | يسرعون ويعجلون. |
| ضِيقِ عَطَنِي | قلة حيلتي وضعف إمكانياتي المادية. |
| تُحْمَدْ سُرَى اللَّيْل | تُحمد عاقبة السهر والتعب عند ظفرك بالنجاح (من المثل: عند الصباح يحمد القوم السرى). |
| وَلَجَ | دخل وثبت حتى وصل. |