عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهم عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: ((إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ. فَإِنَّ ⦗٨٩⦘ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ))
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
1. مشروعية الإبراد بصلاة الظهر في شدة الحر
أقوال الفقهاء: اتفق الفقهاء على مشروعية الإبراد بصلاة الظهر واستحسابه عند اشتداد الحر في الجملة، وهو رخصة لدفع المشقة. وحيث اتفقوا على أصل المشروعية فلا تعرض للمذاهب فيه، وإنما وقع اختلافهم في شروطه وتفاصيله كما سيأتي في الفقرات التالية.
2. حكم الإبراد: هل هو رخصة مستحبة أم عزيمة واجبة؟
أقوال الفقهاء: اختلف العلماء في حكم الإبراد بالظهر على قولين:
القول الأول: الإبراد مستحب وليس بواجب، وهو قول جماهير العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. جاء في "المجموع شرح المهذب" للنووي الشافعي: «الإبراد مستحب وليس بواجب، هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا ما حكاه القاضي عياض عن بعض أهل الظاهر أنه أوجبه».
القول الثاني: الإبراد واجب وعزيمة يأثم تاركه، وهو قول بعض أهل الظاهر (كابن حزم). جاء في "المحلى بالآثار" لابن حزم: «فرضٌ الإبراد بصلاة الظهر في شدة الحر... والعمد لتعجيلها في شدة الحر لا يجوز».
3. هل يشرع الإبراد لمن يصلي منفرداً في بيته أو للنساء؟
أقوال الفقهاء: اختلف الفقهاء فيمن يشرع له الإبراد بناءً على علة الحكم:
القول الأول: يشرع الإبراد للمصلي جماعة في المسجد الذين ينالهم الحر في طريقهم، ولا يشرع للمنفرِد في بيته، ولا للنساء في بيوتهن، ولا لمن يمشي إلى المسجد في ظلال، وهو مذهب الشافعية والرواية الصحيحة عن الحنابلة. جاء في "المغني" لابن قدامة: «والمستحب الإبراد في المعمورة التي ينتاب أهلها المساجد من البعد، فأما مكة والمدينة والمنفرد في بيته فلا إبراد في حقهم، لأن علة الإبراد دفع المشقة بقرّة عين المصلي».
القول الثاني: يشرع الإبراد عاماً لجميع المصلين، سواءً صلوا جماعة أو فرادى، في المساجد أو البيوت (كالنساء)، وهو مذهب الحنفية والمالكية وقول عند الحنابلة. جاء في "فتح القدير" لابن الهمام الحنفي: «والإبراد أفضل للمنفرد والجماعة».
4. هل يشرع الإبراد في صلاة الجمعة إذا اشتد الحر؟
أقوال الفقهاء: اختلف الفقهاء في سحب حكم الإبراد على صلاة الجمعة:
القول الأول: لا يشرع الإبراد في صلاة الجمعة بل تُعجَّل في أول وقتها مطلقاً، وهو مذهب الشافعية والحنابلة. جاء في "كشاف القناع" للبهوتي الحنبلي: «ولا يشرع الإبراد بالجمعة بل يستحب تعجيلها؛ لأن الناس يتبكرون إليها فلو أبرِد بها لشق عليهم».
القول الثاني: يشرع الإبراد في الجمعة كصلاة الظهر لعموم العلة والحديث، وهو مذهب الحنفية والمشهور عند المالكية. جاء في "الشرح الكبير" للدردير المالكي: «(وندب إبراد بظهر) وكذا جمعة بقرية لا بمصر لخطبتها».
5. حدّ الإبراد المستحب وضابطه زمنياً
أقوال الفقهاء: اختلف الفقهاء في مقدار الوقت الذي تؤخر إليه الصلاة في الإبراد:
القول الأول: غايته وضابطه أن يصير للمشي ثلث ظل بعد ظل الزوال، أو أن يمتد الظل حتى يصير للحيطان فيءٌ يمشي فيه المستظل. وهو مذهب الشافعية والحنابلة. جاء في "المجموع" للنووي: «حتى يصير للحيطان فيءٌ يمشى فيه».
القول الثاني: غايته تأخير الصلاة إلى قرب وقت العصر بحيث يصلي الظهر قبل دخول وقت العصر بيسير، وهو مذهب الحنفية. جاء في "شرح معاني الآثار" للطحاوي: «أن الإبراد الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو التأخير إلى آخر الوقت».