عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: ((دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رضي الله عنه - عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إلَى صَدْرِي , وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِهِ فَأَبَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَصَرَهُ. فَأَخَذْتُ السِّوَاكَ فَقَضَمْتُهُ , فَطَيَّبْتُهُ , ثُمَّ دَفَعْتُهُ إلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَاسْتَنَّ بِهِ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَنَّ اسْتِنَانًا أَحْسَنَ مِنْهُ , فَمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: رَفَعَ يَدَهُ - أَوْ إصْبَعَهُ - ثُمَّ قَالَ: فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى - ثَلاثاً - ثُمَّ قَضَى. وَكَانَتْ تَقُولُ: مَاتَ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي)) . ⦗٤١⦘
وَفِي لَفْظٍ ((فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ , وَعَرَفْتُ: أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ: أَنْ نَعَمْ)) هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
1. استحباب السواك عند الاحتضار
اتفق الفقهاء على استحباب السواك عند الاحتضار وقرب الموت، لما فيه من تطييب الفم وتسهيل خروج الروح، وتيسير النطق بالشهادة، اقتداءً بفعله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه.
2. حكم استعمال سواك الغير (الاستنابة في تهيئة السواك)
اتفق الفقهاء على جواز استعمال سواك الغير بعد تنظيفه أو قطعه أو غسله، كما فعلت عائشة -رضي الله عنها- عندما قضمت السواك وطيبته ثم دفعت به للنبي صلى الله عليه وسلم، مالم يكن في ذلك تقذر أو ضرر.
3. العمل بالإشارة المفهومة من المريض أو العاجز
اتفق الفقهاء على أن الإشارة المفهمة من الشخص الذي لا يستطيع النطق (كمرض الموت أو الخرس) تقوم مقام النطق في الأحكام، لقول عائشة: "فأشار برأسه أن نعم"، وقد بنى الفقهاء على ذلك صحة تصرفات المريض وعقوده إذا كانت إشارته واضحة.
4. حكم السواك الرطب للصائم
اختلف الفقهاء في استخدام السواك "الرطب" (كما ورد في الحديث بلفظ سواك رطب):
الجمهور (الحنفية والمالكية والشافعية): ذهبوا إلى جواز واستحباب السواك الرطب واليابس للصائم، لعموم الأدلة.
الحنابلة: ذهبوا إلى كراهة السواك الرطب للصائم؛ خشية أن يتحلل منه شيء فيصل إلى جوفه، وقالوا إن السنة تحصل باليابس.
5. المبالغة في الاستنان (قوة التنظيف)
اتفق الفقهاء على استحباب المبالغة في التنظيف بالسواك، وتمريره على الأسنان واللثة ولسان الحنك، لقول عائشة: "فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استن استناناً أحسن منه"، وفي رواية "أشد منه"، مما يدل على فضل الاستقصاء في التنظيف.
6. جواز خدمة الزوجة لزوجها في الطهارة والتنظيف
اتفق الفقهاء على جواز قيام الزوجة بخدمة زوجها وتوليه أمور طهارته وتنظيفه، خاصة عند المرض والعجز، كما فعلت عائشة -رضي الله عنها- من تهيئة السواك له وإسناده إلى صدرها.
7. كراهة طلب السواك بلسان المقال
استنبط بعض الفقهاء (كابن حجر في الفتح) أن من كمال الأدب ألا يطلب المريض أو الكبير السواك صراحة إذا فهمت حاجته بقرينة الحال، تأدباً، ولذلك أبده صلى الله عليه وسلم بصره ولم يطلبه بلسانه حتى عرضت عليه عائشة ذلك.