عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه -: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلاءَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ)).
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
1. حكم الاستعاذة عند دخول الخلاء
اتفق الفقهاء (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة) على استحباب قول "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" عند إرادة دخول الخلاء؛ اتباعاً للسنة النبوية، ولأن هذا الموضع تحضره الشياطين.
2. موطن الذكر للمدخل
اختلف الفقهاء في الموضع الذي يقال فيه هذا الذكر على قولين:
الجمهور (الشافعية والحنابلة وبعض المالكية): يقال الذكر قبل الدخول مباشرة في الأماكن المعدة لذلك، أما في الفضاء (الصحراء) فيقال عند الشروع في تشمير الثياب. (ينظر: المجموع للنووي، المغني لابن قدامة).
الحنفية وبعض المالكية: ذهبوا إلى أنه إذا دخل ولم يقل، فإنه يذكر الله بقلبه ولا يحرك لسانه، وقيل يجهر به إذا كان المكان واسعاً ولم يتلبس بالنجاسة بعد. (ينظر: حاشية ابن عابدين).
3. الجهر والإسرار بالدعاء
جمهور الفقهاء: يستحب الإسرار بهذا الذكر ولا يشترط الجهر به، والمقصود هو الاستعاذة بالله تعالى.
المالكية: يرى بعضهم أن الأفضل الإسرار، وفي "الفواكه الدواني" ذكروا أن الندب يحصل بالقول سراً أو جهراً ما لم يدخل في صلب المكان الذي تظهر فيه النجاسة.
4. حكم الاستعاذة لمن يقضي حاجته في غير "الكنيف" (الصحراء)
اتفق الفقهاء على أن هذا الذكر لا يختص بالبنيان (المراحيض المعدة)، بل يشرع أيضاً لمن أراد قضاء حاجته في الصحراء أو الفضاء؛ لعموم العلة وهي الاستعاذة من الجن والشياطين الذين ينتشرون في مواضع النجاسات.
5. تفسير "الخبث والخبائث" وأثره في الحكم
الجمهور (بكسر الباء - الخُبْث): فسروها بالشر، والخبائث بالنفوس الشرير، فيكون استعاذة من الشر وأهله.
أهل الحديث (بضم الباء - الخُبُث): ذهبوا إلى أنها جمع "خبيث" وهو ذكر الشياطين، و"الخبائث" جمع "خبيثة" وهن إناث الشياطين. (ينظر: فتح الباري لابن حجر، شرح صحيح مسلم للنووي). وهذا الخلاف لفظي في التفسير لكنه يؤكد استحباب الاستعاذة للوقاية من ضرر الجن بجميع أنواعهم.
6. الاستعاذة بالاسم الأعظم (اللهم)
استنبط العلماء من قوله "اللهم" مشروعية التوسل بأسماء الله تعالى وطلب الحماية منه وحده في مواضع الضعف البشري، ولم يختلف الفقهاء في فضل البدء بهذا اللفظ في الدعاء المأثور.