عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنْ ⦗٣٦⦘ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: ((إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرّاً مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ)) . فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ.
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: ((رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ , فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْنِ , ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى رَفَعَ إلَى السَّاقَيْنِ , ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرَّاً مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ)) فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ فَلْيَفْعَلْ.
١٢ - وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: سَمِعْتُ خَلِيلِي - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: ((تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنْ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ)) .
الأحكام الفقهية المستنبطة من هذا الحديث:
الفرع الأول: اختصاص هذه الأمة بعلامة الغُرَّة والتحجيل يوم القيامة
دل الحديث على أن من خصائص أمة محمد ﷺ أنهم يُدعون يوم القيامة غُرًّا مُحجَّلين بسبب الوضوء.
قال النووي:
«هذا من خصائص هذه الأمة، لم يكن لأمة قبلها»
(شرح صحيح مسلم)
الفرع الثاني: فضل الوضوء وأن آثاره تظهر يوم القيامة
الحديث نصٌّ في أن الوضوء سبب لظهور النور في أعضاء الوضوء يوم القيامة.
قال ابن حجر:
«وفي الحديث فضيلة الوضوء، وأن آثاره تبقى نورًا لصاحبه يوم القيامة»
(فتح الباري)
الفرع الثالث: استحباب المحافظة على الوضوء
كون الوضوء سببًا للغُرَّة والتحجيل يدل على فضل المداومة عليه.
قال ابن عبد البر:
«وفيه دليل على فضل الوضوء والمحافظة عليه»
(التمهيد)
الفرع الرابع: أن الغُرَّة والتحجيل يكونان في مواضع الوضوء فقط
الغُرَّة في الوجه، والتحجيل في اليدين والرجلين.
قال النووي:
«الغُرَّة في الوجه، والتحجيل في الأطراف، وهي مواضع الوضوء»
(شرح صحيح مسلم)
الفرع الخامس: حكم إطالة الغُرَّة والتحجيل بتجاوز مواضع الفرض
اختلف الفقهاء في حكم الزيادة على مواضع الفرض في غسل الوجه واليدين والرجلين:
القول الأول: الاستحباب
قال به جماعة من أهل العلم، مستدلين بظاهر قوله ﷺ: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل».
قال النووي:
«ذهب بعض العلماء إلى استحباب إطالة الغُرَّة والتحجيل، وهو مروي عن أبي هريرة»
(شرح صحيح مسلم)
القول الثاني: عدم الاستحباب، بل الاقتصار على حدود الوضوء
وهو قول جمهور العلماء، وعللوا بأن الزيادة لم تثبت فعلًا عن النبي ﷺ.
قال النووي:
«والصحيح الذي عليه المحققون أن إطالة الغُرَّة والتحجيل غير مستحبة، وأن قوله ﷺ محمول على المبالغة في إسباغ الوضوء لا على الزيادة على حدوده»
(شرح صحيح مسلم)
وقال ابن حجر:
«لم يُنقل عن النبي ﷺ أنه تجاوز في وضوئه مواضع الفرض»
(فتح الباري)
الفرع السادس: أن فعل أبي هريرة رضي الله عنه اجتهاد منه لا يُلزم غيره
غسل أبي هريرة يديه إلى المناكب ورجليه إلى الساقين ليس نصًّا في المشروعية العامة.
قال ابن عبد البر:
«فعل أبي هريرة محمول على الاجتهاد، ولا حجة فيه على استحباب الزيادة»
(التمهيد)
الفرع السابع: بلوغ حِلْيَة المؤمن حيث يبلغ وضوؤه
دل الحديث على أن الحِلْيَة في الجنة تكون على قدر مواضع الوضوء.
قال النووي:
«فيه دليل على عِظم فضل الوضوء، وأن الحِلْيَة تبلغ مواضعه»
(شرح صحيح مسلم)
الفرع الثامن: أن الوضوء سبب لتمييز المؤمنين يوم القيامة
الغُرَّة والتحجيل علامة يعرف بها النبي ﷺ أمته.
قال القاضي عياض:
«وفيه أن النبي ﷺ يعرف أمته يوم القيامة بعلامة الوضوء»
(إكمال المعلم)
الفرع التاسع: أن الزيادة على المشروع في العبادة ليست مطلوبة
استدل جمهور العلماء بأن النبي ﷺ لم يجاوز مواضع الوضوء.
قال ابن تيمية:
«العبادات مبناها على التوقيف، والزيادة فيها كالنقص»
(مجموع الفتاوى)
الفرع العاشر: أن فضل الأعمال يظهر أثره حسيًا يوم القيامة
نور الوضوء أثر حسي يظهر على الجوارح.
قال ابن رجب:
«فيه أن آثار الطاعات تظهر نورًا لأهلها يوم القيامة»
(فتح الباري لابن رجب).