عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْحَارِثِ بْنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيِّ - رضي الله عنه -: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ((لا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ وَلا يَتَمَسَّحْ مِنْ الْخَلاءِ بِيَمِينِهِ وَلا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ))
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
أولاً: حكم إمساك الذكر باليمين أثناء التبول
اختلف الفقهاء في صرف النهي في قوله «لا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ» من التحريم إلى الكراهة:
جمهور الفقهاء (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة): ذهبوا إلى أن النهي هنا للتنزيه، فإمساك الذكر باليمين حال البول مكروه كراهة تنزيهية وليس بحرام، وذلك لأن الأمر يتعلق بالآداب والإرشاد.
الظاهرية ورواية عن الإمام أحمد: ذهبوا إلى أن النهي للتحريم، فيحرم إمساك الذكر باليمين أثناء التبول عملاً بظاهر النهي.
ثانياً: حكم الاستنجاء (التمسح) باليمين
اتفق الفقهاء على النهي عن الاستنجاء باليمين لقوله «وَلا يَتَمَسَّحْ مِنْ الْخَلاءِ بِيَمِينِهِ»، واختلفوا في درجة النهي:
جمهور الفقهاء (الأئمة الأربعة): ذهبوا إلى أن الاستنجاء باليمين مكروه، وصرفوا النهي عن التحريم لتعلقه بباب الآداب، ولأن اليمين تُنزه عن الأقذار.
أهل الظاهر وجماعة من المحدثين: ذهبوا إلى تحريم الاستنجاء باليمين، مؤكدين أن الأصل في النهي التحريم ولا يصرف عنه إلا بقرينة، ولا قرينة هنا تصرفه.
ثالثاً: حكم التنفس في الإناء
اختلف الفقهاء في قوله «وَلا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ» هل هو للتحريم أم للكراهة:
جمهور الفقهاء: ذهبوا إلى أن التنفس في الإناء مكروه وليس بمحرم؛ وعللوا ذلك بأن النهي هنا للإرشاد والتعليم لئلا يتقذر الإناء أو يسقط فيه شيء من الريق أو ينبعث فيه ريح كريه.
بعض الشافعية والحنابلة: ذهبوا إلى أن النهي قد يصل للتحريم إذا كان في إناء مشترك مع غيره لما فيه من الإيذاء والتقذير للغير، أما في حق الشخص المنفرد فبقي على الكراهة.
رابعاً: العلة من النهي (اتفاق)
اتفق الفقهاء والشراح (كابن حجر في فتح الباري والنووي في شرح مسلم) على أن العلة من هذه المنهيات هي تشريف اليد اليمنى وتكريمها، وتخصيصها للأعمال الشريفة كالأكل والشرب والمصافحة، وتخصيص اليد اليسرى لإزالة الأقذار وما يستقذر من بدن الإنسان.
خامساً: شمول النهي للمرأة
اتفق الفقهاء على أن حكم المرأة في الاستنجاء باليمين والتنفس في الإناء هو حكم الرجل تماماً، فما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء إلا ما دل الدليل على تخصيصه، والنهي هنا عام للآداب والنزاهة.