عن أنس بن سيرين قال: ((استقبلنا أنسا حين قدم من الشام , فلقيناه بعين التمر , فرأيته يصلي على حمار , ووجهه من ذا الجانب - يعني عن يسار القبلة - فقلت: رأيتك تصلي لغير القبلة؟ فقال: لولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله ما فعلته)) .
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
[1] جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر
اتفق الفقهاء على أن للمسافر أن يصلي النافلة على ظهر دابته، وأن استقبال القبلة يسقط عنه في هذه الحالة إذا كان مسافراً، حيث يُصلي حيث توجهت به دابته. قال ابن بطال في "شرح صحيح البخاري": "أجمع العلماء على أن للمسافر أن يتطوع على دابته حيثما توجهت به، وأن صلاته جائزة".
[2] سقوط شرط استقبال القبلة في النافلة على الراحلة
اختلف الفقهاء في جواز الصلاة إلى غير القبلة في النافلة على الراحلة؛ فذهب جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة) إلى جواز الصلاة إلى غير القبلة مطلقاً في السفر للمتنفل على الراحلة، مستدلين بفعل أنس بن مالك في الحديث، حيث كان يصلي إلى غير جهة القبلة. بينما ذهب الحنفية إلى أن المتنفل على الراحلة يصلي إلى جهة مقصده، فإن أمكنه الاستقبال في ابتداء الصلاة فعله، وإن لم يمكنه سقط، لكنهم لا يجوزون تعمد الانحراف عن جهة القبلة إذا أمكنه الاستقبال.
[3] حجية فعل الصحابي إذا أسنده إلى النبي ﷺ
استنبط العلماء من قول أنس رضي الله عنه: "لولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله ما فعلته"؛ أن السنة النبوية هي المرجع الأول في تقرير الأحكام، وأن رؤية الصحابي لفعل النبي صلى الله عليه وسلم دليل قطعي على المشروعية. قال ابن حجر في "فتح الباري": "وفي الحديث دليل على أن فعل الصحابي إذا أسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم يكون حجة، بل هو في حكم المرفوع".
[4] عدم لزوم توجيه الدابة نحو القبلة
اتفق الفقهاء على أن المصلي على الدابة لا يلزمه أن يوجه دابته إلى القبلة، بل يصلي حيثما كانت وجهة الدابة. وقد جاء في "المغني" لابن قدامة: "وله أن يصلي حيث توجهت به راحلته، ولو كانت القبلة عن يمينه أو يساره أو خلفه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسبح على راحلته حيث كان وجهه".