عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ((إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَذَا ⦗٧١⦘ الْحَاجَةِ , وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ)) .
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
أولاً: مشروعية تخفيف الصلاة على المأمومين في صلاة الجماعة
الحكم: اتفق الفقهاء على أنه يُستحب للإمام أن يخفف الصلاة بالناس مراعاة لأحوالهم، وأن الإطالة التي تشق على المأمومين مكروهة. وبما أنهم اتفقوا على أصل مشروعية التخفيف واستحبابه للإمام، فلا حاجة لتفصيل المذاهب فيه.
ثانياً: ضابط التخفيف المسنون للإمام
أقوال الفقهاء: اختلف العلماء في المراد بـ "التخفيف" المأمور به في الحديث على أقوال:
الجمهور (المالكية، والشافعية، والحنابلة، وأبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية): التخفيف أمر نسبي يُرجع فيه إلى السنة النبوية، وهو فعل ما ورد عن النبي ﷺ من القراءة والذكر دون زيادة، مع الإتيان بالصلاة كاملة بأركانها وسننها، وليس المراد به الحذف والمسابقة. قال النووي في شرح صحيح مسلم: «التخفيف مأمور به، ولكن يرجع في ضابطه إلى ما فعله النبي ﷺ واستمر عليه، لا إلى شهوة المأمومين».
الحنفية (في المعتمد من المذهب): التخفيف يقدّر بـ "أدنى الكمال"، وهو أن يقرأ في الركعتين الأوليين من الفرض بمقدار أربعين أو خمسين آية في الفجر، ومن السور الأوساط في العشاء والظهر، والقصار في المغرب والعصر، مع الإتيان بتسبيحات الركوع والسجود ثلاثاً؛ لأن الزيادة على ذلك تطويل يمنع الرغبة في الجماعة.
ثالثاً: حكم تطويل الصلاة لمن يصلي منفرداً
الحكم: اتفق الفقهاء على جواز واعتداد إطالة الصلاة لمن يصلي منفذاً (لنفسه) بما شاء من قراءة وركوع وسجود، طالما أنه لا يضيع وقت الصلاة المفروضة، وذلك بنص الحديث: ((وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ))، وحيث وقع الاتفاق فلا حاجة لتفصيل المذاهب.
رابعاً: حكم الصلاة خلف إمام يطيل إطالة مشقة
أقوال الفقهاء: إذا أطال الإمام إطالة خارجة عن السنة وشقت على المأموم، فاختلفوا في جواز مفارقته بنية الانفراد وإتمام الصلاة وحده:
الشافعية والحنابلة: يجوز للمأموم مفارقة الإمام وعذر المفارقة هنا شرعي؛ لحديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه- حين أطال في الصلاة فانفصل عنه الرجل وصلى وحده، ولم ينكر عليه النبي ﷺ أصل الانفصال وإنما أنكر على معاذ الإطالة.
الحنفية والمالكية: لا يجوز قطع الصلاة ولا المفارقة بمجرد الطول؛ لأن إتمام العبادة واجب وتطويل الإمام لا يبطل الصلاة، بل يصبر المأموم أو يقرأ خلفه إن دعت الحاجة عند من يرى القراءة.
خامساً: حكم تطويل الصلاة لـ "الجماعة المحصورة" الذين يرتضون الإطالة
أقوال الفقهاء: إذا كان المأمومون جماعة محصورين (معلومين) ورضوا كلهم بالتطويل، فهل يشرع للإمام التطويل حينئذ؟
الشافعية والحنابلة: يجوز للإمام التطويل إذا رضي جميع المأمومين خلفه بذلك (بأن يكونوا محصورين يسهل استئذانهم ورضاهم)، مستدلين بأن العلة في التخفيف هي المشقة، فإذا زالت بالرضا زال الحكم.
المالكية: يكره للإمام التطويل مطلقاً وإن رضي المأمومون؛ لأن الصلاة قد يدخل فيها الداخل ممن له حاجة أو ضعف أثناء الصلاة فيتضرر، ولأن التخفيف هو الأصل العام لصلوات الجماعة.
سادساً: حكم مراعاة الإمام لعارض يطرأ على المأمومين أثناء الصلاة
أقوال الفقهاء: إذا طرأ عارض لأحد المأمومين أثناء الصلاة (كبكاء صبي أو حدوث علة لأحدهم)، فهل يجب أو يستحب للإمام تخفيفها؟
الشافعية والحنابلة: يستحب للإمام التخفيف الزائد عن المعتاد إذا أحس بعارض للمأمومين (مثل بكاء الصبي)، مستدلين بحديث النبي ﷺ: «إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه».
المالكية: التخفيف مطلوب بالعموم، لكن لا يغير الإمام هيئة صلاته أو ينقص من قراءتها المقدرة شرعاً لمجرد سماع صوت بكاء أو ما شابه، بل يمضي على ما تقتضيه السنة في تلك الصلاة.