عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا , وذلك: أنه إذا توضأ , فأحسن الوضوء. ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة , وحط عنه خطيئة. فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه , ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه , اللهم اغفر له , اللهم ارحمه , ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة))
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث
أولاً: فضل صلاة الجماعة ومضاعفة أجرها
دل الحديث على أن صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد بخمس وعشرين ضعفاً، وهذا الفضل ثابت ومجمع عليه في الجملة، وإن كان الحديث الآخر ذكر "سبعاً وعشرين"، وقد جمع العلماء بينهما بأن ذلك يختلف باختلاف حال المصلين وخشوعهم وبعد المسافة، وبما أن أصل الفضل متفق عليه فلا حاجة لتفصيل المذاهب.
ثانياً: حكم صلاة الجماعة في غير المسجد (كالسوق والبيت)
اختلف الفقهاء في حصول فضيلة الجماعة (التضعيف الوارد في الحديث) لمن صلاها في غير المسجد:
الشافعية والمالكية ورواية عن أحمد: يحصل له أصل فضل الجماعة، لكن صلاته في المسجد أفضل وأكمل، وحملوا قوله "تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه" على صلاة المنفرد فيهما.
الحنابلة (في المذهب) وبعض الحنفية: أن التضعيف المذكور (خمس وعشرون درجة) يختص بالجماعة التي تقام في المسجد، أما الجماعة في البيت أو السوق فلها فضل الجماعة لكن دون فضل المسجد الوارد في هذا الحديث المخصوص بالخطوات والصلاة في المصلى.
ثالثاً: استحباب إسباغ الوضوء للخروج إلى الصلاة
دل قوله "فأحسن الوضوء" على ندب إتمام الوضوء واستكمال سننه وآدابه قبل القصد إلى المسجد، وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، لذا لا تعرض للمذاهب فيه.
رابعاً: حكم قصد المسجد لغير الصلاة (الإخلاص في الخروج)
اختلفوا فيمن خرج للمسجد وقصد مع الصلاة مأرباً آخر (كتجارة أو لقاء شخص):
جمهور الشراح والفقهاء: أن قوله "لا يخرجه إلا الصلاة" قيد لتحصيل هذا الثواب المخصوص (رفع الدرجات بكل خطوة)، فمن كان الدافع الأول له غير الصلاة لم يحصل على هذا الوعد، وإن كانت صلاته صحيحة.
بعض الشافعية: ذهبوا إلى أنه لو قصد الصلاة وغيرها حصل له الثواب بقدر قصد الصلاة، لكنه لا ينال كمال الدرجات المذكورة في الحديث.
خامساً: اشتراط الطهارة للحصول على ثواب "منتظر الصلاة" ودعاء الملائكة
اختلف الفقهاء فيمن جلس ينتظر الصلاة أو جلس في مصلاه وهو محدث (غير متوضئ):
الحنفية والمالكية والشافعية: أن دعاء الملائكة وصلاة الشخص (بمعنى الثواب) ينقطع بخروج الحدث؛ لقوله ﷺ في رواية أخرى للحديث: "ما لم يُحدث فيه"، فشرط بقاء الثواب استدامة الطهارة.
بعض الحنابلة (وجه في المذهب): أن انتظار الصلاة في المسجد يكتب له أجر الصلاة ولو كان على غير طهارة، أما دعاء الملائكة المخصوص (اللهم اغفر له) فهو الذي يشترط له البقاء على الطهارة.
سادساً: حكم المكوث في المسجد بعد الصلاة (المصلى)
دل الحديث على فضل الجلوس في المكان الذي صلى فيه الشخص، واختلفوا في المراد بـ "مصلاه":
الجمهور: هو المكان الذي أوقع فيه الصلاة من أرض المسجد.
المالكية وبعض الشافعية: المراد به كل المسجد الذي صلى فيه، فلو انتقل من مكان لآخر داخل المسجد فهو في "مصلاه" ويشمله دعاء الملائكة.
سابعاً: إثبات أن انتظار الصلاة حكمه حكم الصلاة في الثواب
دل الحديث "ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة" على أن المنتظر يُكتب له أجر المصلِّي من حيث الثواب، وهذا محل اتفاق، ولا يعني ذلك سقوط الأحكام العملية عنه (كالركوع والسجود)، لذا لا تعرض للمذاهب فيه.