عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: ((إنِّي لا آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي بِنَا قَالَ ثَابِتٌ فَكَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئاً لا أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَهُ. كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ: انْتَصَبَ قَائِماً , حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ , وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ: مَكَثَ , حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ)) .
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث :
1. الطمأنينة وتطويل الاعتدال بعد الركوع
اختلف الفقهاء في حكم الطمأنينة وتطويل هذا الركن (الاعتدال من الركوع) على قولين:
القول الأول (الجمهور): ذهب الشافعية، والحنابلة، وأبو يوسف من الحنفية، وهو قول عند المالكية، إلى أن الطمأنينة في الاعتدال ركن لا تصح الصلاة بدونه، ويُستحب تطويله عملاً بظاهر الحديث "حتى يقول القائل قد نسي".
القول الثاني: ذهب الحنفية (في المعتمد من المذهب) والمالكية في المشهور عندهم، إلى أن الاعتدال والطمأنينة فيه سنة أو واجب وليس بركن يفوت بتفوته الصلاة، وكرهوا تطويله كراهة تنزيهية، متأولين الحديث بأن أنساً رضي الله عنه فعل ذلك لبيان جوازه أو للتعليم.
2. الطمأنينة وتطويل الجلوس بين السجدتين
اختلف الفقهاء أيضاً في حكم إطالة الجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه:
القول الأول: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الطمأنينة في هذا الجلوس فرض وركن من أركان الصلاة، ويُسن تطويله كما دل عليه الحديث "مكث حتى يقول القائل قد نسي". (وإن كان المتأخرون من الشافعية كرهوا الإطالة الزائدة التي تخرج عن الحد المألوف إلا في صلاة المنفرد أو إمام محصورين يرضون بالتطويل).
القول الثاني: ذهب الحنفية والمالكية في المشهور عنهما إلى أن الجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه ليس بركن، بل هو سنة أو واجب، وكرهوا إطالته كراهة تنزيهية، وعللوا ذلك بأن الأصل في هذا الجلوس أن يكون فصلاً خفيفاً بين السجدتين.
3. مشروعية الذكر والدعاء في الاعتدال والجلوس بين السجدتين
اختلفوا في وجوب ومشروعية الدعاء والذكر في هذين الركنين بناءً على تطويلهما:
القول الأول: ذهب الحنابلة إلى وجوب قول "رب اغفر لي" بين السجدتين (مرة واحدة واجبة وما زاد سنة)، ومواكبة إطالة الاعتدال بالتحميد وملء السماوات والأرض. ووافقهم الشافعية في سنية الدعاء والذكر الطويل فيهما دون وجوب.
القول الثاني: ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه لا يُشرع دعاء زائد في هذين الموطنين للإمام والمأموم، بل يقتصر المصلي في الاعتدال على التحميد "ربنا ولك الحمد"، وفي الجلوس على مجرد السكون، بناءً على أصلهم في كراهة تطويلهما.
4. اقتداء الصحابة والتابعين بهدي النبي ﷺ وحرصهم على تتبعه
اتفق الفقهاء وشُرّاح الحديث على أن هذا الفرع ثابت بالاتفاق؛ وهو حرص الصحابة (كأنس بن مالك) على تعليم الناس السنة العملية التي عاينوها من النبي ﷺ، وإنكار التابعين (كثابت البناني) على أهل عصرهم ما خالف تلك السنة المستقرة، وجواز قول التلميذ لشيخه "أراك تصنع شيئاً لا أراهم يصنعونه" من باب الاسترشاد والتعلم.