الإشعارات
مسح الكل

شرح كتاب عمدة الأحكام ـ الحديث السابع والثمانون


يوسف هشام
(@user550751)
Honorable Member
انضم: مند 9 أشهر
المشاركات: 223
بداية الموضوع  

عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: ((رَمَقْتُ الصَّلاةَ مَعَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ , فَرَكْعَتَهُ فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ , فَسَجْدَتَهُ , فَجِلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ , فَسَجْدَتَهُ فَجِلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالانْصِرَافِ: قَرِيباً مِنْ السَّوَاءِ)) . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ((مَا خَلا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ قَرِيباً مِنْ السَّوَاءِ)) .



الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:


الفرع الأول: حكم تطويل الطمأنينة في الاعتدال من الركوع وفي الجلسة بين السجدتين

دل قوله في الرواية الأولى (فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ... فَجِلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ... قَرِيباً مِنْ السَّوَاءِ) على تطويل هذين الركنين حتى يقاربا الركوع والسجود، واختلف الفقهاء في مشروعية تطويلهما على قولين:

القول الأول: ذهب الشافعية (في الأصح عندهم) والحنابلة، وهو قول إسحاق بن راهويه وأبي ثور، إلى أنه يُستحب تطويل الاعتدال من الركوع والجلوس بين السجدتين، وأن يزاد فيهما من الأذكار المأثورة ما يجعلهما قريبين من طول الركوع والسجود؛ عملاً بظاهر حديث البراء. (يُنظر: المجموع للنووي الشافعي، المغني لابن قدامة الحنبلي).

القول الثاني: ذهب الحنفية والمالكية، والشافعية في وجه آخر، إلى أن الاعتدال من الركوع والجلوس بين السجدتين ركنان قصيران، فيكره تطويلهما زيادة على القدر المشهور (وهو الطمأنينة بقدر تسبيحة أو ذكر خفيف)، وتأولوا حديث البراء على أن المراد بالاستواء هو التقارب النسبي في الطمأنينة والاعتلاء، أو أنه كان حكماً في وقتٍ ما ثم نُسخ، أو أنه خاص بصلاة الليل والمنفرد. (يُنظر: فتح القدير لابن الهمام الحنفي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للمالكي).

الفرع الثاني: التوفيق بين مقدار القيام والقعود ومقدار باقي الأركان

دل قوله في رواية البخاري (مَا خَلا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ قَرِيباً مِنْ السَّوَاءِ) على استثناء القيام (للقراءة) والقعود (للتشهد) من التساوي مع الركوع والسجود، واختلف الفقهاء في هذا الاستثناء وصحة العمل به:

القول الأول: ذهب جماهير الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الأصل في الصلاة أن يكون القيام والقعود (للتشهد الأخير) أطول من الركوع والسجود، وأن رواية الاستثناء (ما خلا القيام والقعود) هي المحفوظة والمفسرة للرواية الأولى، وبناءً عليه لا يُشرع جعل الركوع والسجود بطول قيام القراءة إذا كان القيام طويلاً. (يُنظر: عمدة القاري للعيني الحنفي، فتح الباري لابن حجر الشافعي، شرح الزرقاني على الموطأ للمالكي).

القول الثاني: ذهب جماعة من أهل الحديث والفقهاء (منهم ابن خزيمة والظاهرية ووجه عند بعض الشافعية) إلى إمكانية الجمع بين الروايتين، بحيث تُحمل رواية الاستواء التام على الأحوال التي يخفف فيها النبي صلى الله عليه وسلم القراءة في القيام (كقراءة السور القصار)، وتُحمل رواية الاستثناء على الأحوال التي يطيل فيها القراءة (كقراءة السور الطوال)، فيكون التطويل والتخفيف نسبياً وتابِعاً لبعضه. (يُنظر: فتح الباري لابن حجر، المحلى لابن حزم).

الفرع الثالث: الطمأنينة والأخذ بالرفق والتخفيف في صلاة الجماعة

دل الحديث بمجموع رواياته على أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت معتدلة متناسبة، لا يطيل ركناً على حساب ركن إطالة فاحشة.

موضع الاتفاق: اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على مشروعية الطمأنينة في الأركان كلها (الركوع، السجود، الاعتدال، الجلوس)، وعلى استحباب التناسب والاعتدال في الصلاة، بحيث لا يجهد الإمام المأمومين بتطويل مفرط، ولا يخل بالصلاة بتخفيف مفرط، بل تكون صلاته مقاربة في الطول والاعتدال اقتداءً بالهدي النبوي. ولحصول الاتفاق في أصل الفرع، لم نتعرض للخلاف. (يُنظر: بدائع الصنائع للكاساني، الذخيرة للقرافي، المجموع للنووي، كشاف القناع للبهوتي).



   
اقتباس
شارك: