عن أبي عمرو الشيباني واسمه سعد بن إياس - قال: حدثني صاحب هذه الدار - وأشار بيده إلى دار عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: ((سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين , قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله , قال: حدثني بهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو استزدته لزادني))
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث:
أولاً: وقت فضيلة الصلاة
اتفق الفقهاء على أن أداء الصلاة في وقتها هو أحب الأعمال إلى الله كما نص الحديث، إلا أنهم اختلفوا في تحديد "أفضلية الوقت" داخل النافذة الزمنية للصلاة:
الشافعية والحنابلة والمالكية: ذهبوا إلى أن الصلاة في "أول وقتها" هي الأفضل مطلقاً، مستدلين بظاهر الرواية التي تؤكد على تعجيل العبادة.
الحنفية: ذهبوا إلى التفصيل، فاستحبوا "الإسفار" في الفجر (تأخيرها قليلاً ليتضح الضوء)، و"الإبراد" في الظهر عند اشتداد الحر، وتأخير العشاء قليلاً، معتبرين أن "الوقت المختار" يختلف باختلاف الصلاة والظروف.
ثانياً: حكم بر الوالدين بعد وفاتهما
استنبط العلماء من قوله "بر الوالدين" وجوب برهما حال حياتهما، وألحقوا به الحكم بعد وفاتهما:
اتفق الفقهاء على أن البر لا ينقطع بالموت، ويتمثل في الدعاء لهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وصلة الرحم التي لا تُوصل إلا بهما، وإكرام صديقهما، وذلك استناداً لعموم اللفظ في الحديث وما عضده من نصوص أخرى.
ثالثاً: وجوب طاعة الوالدين في غير معصية
أخذ الفقهاء من تقديم "بر الوالدين" على "الجهاد" (الذي هو ذروة سنام الإسلام) وجوب طاعتهما:
اتفق الفقهاء على وجوب طاعة الوالدين في المباحات، وتحريم طاعتهما في المعاصي (لقاعدة: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).
رابعاً: استئذان الوالدين في جهاد الطلب
اختلف الفقهاء في وجوب إذن الوالدين للخروج إلى الجهاد بناءً على ترتيب الحديث:
جمهور الفقهاء (المالكية، الشافعية، الحنابلة): ذهبوا إلى تحريم خروج الولد لجهاد "الطلب" (التطوع) إلا بإذن والديه المسلمين، لأن برهما فرض عين والجهاد فرض كفاية، والفرض العيني مقدم.
الحنفية: قالوا إنه لا يخرج إلا بإذنهما إذا كانا يحتاجان إليه أو يُخاف عليهما الضيعة بفقده، فإن لم يحتاجا إليه جاز له الخروج لفرض الكفاية دون إذنهما.
اتفاق: أما إذا صار الجهاد "فرض عين" (كدفع العدو عن البلاد)، فقد اتفقوا على سقوط إذن الوالدين.
خامساً: حكم تارك الصلاة حتى يخرج وقتها
من قوله "على وقتها" بحث الفقهاء حكم من أخرج الصلاة عن وقتها عمداً:
الجمهور: ذهبوا إلى أنه يأثم إثماً عظيماً ويجب عليه القضاء فوراً.
ابن حزم وظاهرية المحدثين: ذهبوا إلى أن من أخرجها عن وقتها عمداً بغير عذر لم يقدر على قضائها ولا تقبل منه، بل عليه الاستغفار وكثرة التطوع.
سادساً: التدرج في الفضل بين العبادات
اتفق الفقهاء من خلال هذا الحديث على أن الأعمال الصالحة تتفاوت في درجات فضلها عند الله، وأن الصلاة هي آكد أركان الإسلام العملية بعد الشهادتين، لذا قُدمت على بر الوالدين والجهاد.
سابعاً: أدب المستفتي في طلب الزيادة
استنبط الشراح من قول ابن مسعود "ولو استزدته لزادني":
اتفق الفقهاء على جواز استزادة العالم من العلم والأسئلة ما لم يؤدِّ ذلك إلى الضجر أو الملالة، مع مراعاة أدب التوقف عند حد معين رعاية لحال المعلم.