عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس , ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس)) .
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث
أولاً: إثبات أوقات النهي عن التنفل المطلق
أفاد الحديث تحريم أو كراهة الصلاة بعد فعل صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وترتفع، وبعد فعل صلاة العصر حتى تغرب الشمس. وهذا الحكم في أصله (النهي عن التطوع المحض) متفق عليه بين الأئمة الأربعة، فلا حاجة لتفصيل المذاهب فيه.
ثانياً: حكم صلاة الجنازة في هذين الوقتين
اختلف الفقهاء في جواز صلاة الجنازة بعد الصبح وبعد العصر:
الشافعية والحنابلة (في المذهب): يجوز صلاة الجنازة في هذين الوقتين بلا كراهة؛ لأنها من ذوات الأسباب، ولأن النهي يضيق عند الاصفرار وعند الطلوع، أما بعد الصلاة مباشرة فالأمر واسع.
الحنفية والمالكية: يجوز صلاة الجنازة بعد الصبح وبعد العصر ما لم تطلع الشمس أو تصفر، فإذا طلعت أو اصفرت الشمس (وقت المضيق) منع الحنفية الصلاة وكرهها المالكية إلا لضرورة خوف تغير الميت.
ثالثاً: حكم صلاة ذوات الأسباب (كتحية المسجد وركعتي الطواف)
اختلفوا في عموم قوله صلى الله عليه وسلم "لا صلاة":
الشافعية ورواية عن أحمد: أن النهي مخصوص بغير ذوات الأسباب، فيجوز صلاة كل صلاة لها سبب شرعي (كتحية المسجد، والكسوف، وسجود التلاوة) في هذين الوقتين.
الحنفية والمالكية والمشهور عند الحنابلة: أن النهي عام يشمل كل صلاة نفل، سواء كان لها سبب أم لا، فلا يجوز عندهم صلاة تحية المسجد أو غيرها بعد الصبح أو العصر، تغليباً لجانب الحظر الوارد في الحديث.
رابعاً: قضاء السنن الرواتب الفائتة في وقت النهي
اختلفوا فيمن فاتته سنة الفجر أو سنة الظهر وأراد قضاءها بعد الصبح أو بعد العصر:
الشافعية: يجوز قضاء الرواتب في أوقات النهي بلا كراهة.
الحنابلة: يجوز قضاء سنة الفجر بعد صلاة الصبح، وقضاء سنة الظهر بعد صلاة العصر (في رواية).
الحنفية والمالكية: لا يجوز قضاء السنن الرواتب في أوقات النهي؛ لأنها في النهاية تندرج تحت مسمى النفل، والنهي في الحديث عام.
خامساً: وقت الابتداء والانتهاء في النهي
اختلف الفقهاء في المراد بكلمة "بعد" في الحديث:
الشافعية والحنابلة: النهي متعلق بفعل الصلاة (أي بعد أن يصلي الشخص الصبح أو العصر)، فلو لم يصل الشخص العصر جاز له التنفل ولو دخل وقت العصر.
المالكية والحنفية: النهي بعد الصبح يتعلق بطلوع الفجر (أي بمجرد دخول الوقت) فلا يتنفل بعده إلا بركعتي الفجر، أما في العصر فالنهي يتعلق عندهم بفعل الصلاة.
سادساً: بطلان الصلاة المنعقدة في هذا الوقت
اختلفوا في أثر النهي على صحة الصلاة:
الحنابلة والحنفية: النهي يقتضي الفساد، فمن شرع في نفل مطلق في هذا الوقت لم تنعقد صلاته ويجب عليه قطعها (وعند الحنفية لو شرع فيها وجب عليه قضاؤها في وقت آخر لأنه أفسد عملاً).
الشافعية والمالكية: النهي للكراهة (تنزيهية عند المالكية وتحريمية عند الشافعية)، فلو صلى الشخص صحت صلاته مع الإثم أو الكراهة، إلا في الأوقات التي ورد النهي عنها لذاتها (كالطلوع والاستواء والغروب) فعندها يشتد الخلاف.