عمدة الأحكام
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إذَا قَامَ إلَى الصَّلاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ , ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ , ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ , حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ , ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ ⦗٧٤⦘ قَائِمٌ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ , ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي , ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ , ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ , ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَع رَأْسَهُ , ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي صَلاتِهِ كُلِّهَا , حَتَّى يَقْضِيَهَا , وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنْ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ))
الأحكام الفقهية المستنبطة من الحديث
هذا الحديث الشريف، المعروف بحديث أبي هريرة في صفة صلاة النبي ﷺ وتكبيرات الانتقال، أصلٌ عظيم في بيان الهيئة المسنونة والواجبة لأركان الصلاة وأذكارها. وبناءً على ما سُطِّر في شروح الحديث وكتب فقه المذاهب الأربعة، إليك الفروع الفقهية المستنبطة من اللفظ صراحةً ومذاهب العلماء فيها:
الفرع الأول: حكم تكبيرة الإحرام عند القيام للصلاة
دلت عبارة «يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ» على حكم التكبيرة الأولى للدخول في الصلاة، وقد اتفق الفقهاء على أن تكبيرة الإحرام فرض وركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة إلا بها، كما اتفقوا على وجوب إيقاعها في حال القيام للقادر عليه في الفرض.
الفرع الثاني: حكم تكبيرات الانتقال في الصلاة
اختلف الفقهاء في حكم التكبيرات المذكورة في الحديث غير تكبيرة الإحرام (كتكبير الركوع، والسجود، والرفع منهما، والقيام):
القول الأول (السُّنيّة والاستحباب): وهو مذهب جمهورالعلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية. يرون أن تكبيرات الانتقال سنة من سنن الصلاة، فلو تركها المصلي عمدًا أو سهوًا لم تبطل صلاته، ويُندب السجود للسهو عند بعضهم إن كان الترك ساهيًا. (ينظر: المبسوط للسرخسي، المدونة لسحنون، المجموع للنووي).
القول الثاني (الوجوب): وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو قول ظهير الدين من الحنفية، وإسحاق بن راهويه. يرون أن تكبيرات الانتقال واجبة، تبطل الصلاة بتركها عمدًا، وتسقط بالسهو ويجبرها سجود السهو. (ينظر: المغني لابن قدامة، كشاف القناع للبهوتي).
الفرع الثالث: محل تكبيرات الانتقال وزمن إيقاعها
اختلف الفقهاء في الموضع الدقيق الذي يبتدئ وينتهي فيه التكبير أثناء الحركة استنباطًا من قوله «يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ»، «حِينَ يَهْوِي»:
القول الأول (امتداد التكبير مع الحركة): وهو مذهب الشافعية والحنابلة، حيث يرون أن السنة أن يبتدئ التكبير مع ابتداء الانتقال ويمده حتى يصل إلى الركن الذي يليه، فلو أكمل التكبير قبل الحركة أو بعد الاستقرار بالكامل في الركن، كُره وفاتت الفضيلة، وعند الحنابلة إن أوقع التكبير كاملًا في غير محل الانتقال (أي بعد الاستقرار أو قبل الحركة) عمدًا بطلت صلاته لأنه أتى بالواجب في غير محله. (ينظر: روضة الطالبين للنووي، الفروع لابن مفلح).
القول الثاني (الأمر فيه واسع): وهو مذهب الحنفية والمالكية، حيث يرون أن التكبير مقارن للهوي والانتقال، لكن لو قدمه قبل الحركة أو أتمه بعدها فلا حرج صلاته صحيحة، والمستحب مقارنته لابتداء الحركة. (ينظر: البحر الرائق لابن نجيم، الفواكه الدواني للنفراوي).
الفرع الرابع: حكم التسميع (قول: سمع الله لمن حمده) للإمام والمنفرد والمأموم
اختلف الفقهاء فيمن يُشرع في حقه قول «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» حين رفع الصلب من الركوع:
القول الأول (يشرع للإمام والمنفرد دون المأموم): وهو مذهب الحنفية، والمالكية، ورواية عن أحمد. يرون أن الإمام والمنفرد يقولانها، أما المأموم فلا يقولها بل ينتقل مباشرة إلى التحميد (ربنا ولك الحمد). (ينظر: بدائع الصنائع للكاساني، الذخيرة للقرافي).
القول الثاني (يشرع للجميع: الإمام والمنفرد والمأموم): وهو مذهب الشافعية، والرواية الأخرى المعتمدة عند الحنابلة. يرون أن كل مصلٍّ يجمع بين التسميع والتحميد، فالإمام والمأموم والمنفرد يقولون «سمع الله لمن حمده» عند الرفع، و«ربنا ولك الحمد» عند الاستواء. (ينظر: مغني المحتاج للشربيني، الإنصاف للمرداوي).
الفرع الخامس: حكم التحميد (قول: ربنا ولك الحمد) ومحل إيقاعه
اختلف الفقهاء في وجوب التحميد وفي موضع قوله بناءً على قوله في الحديث «ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»:
القول الأول (سنة لجميع المصلين): وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية. يرون أن التحميد سنة مستحبة وليس بفرض. (ينظر: الهداية للمرغيناني، البيان للعمراني).
القول الثاني (واجب على جميع المصلين): وهو مذهب الحنابلة. يرون أن التحميد واجب كالـتسميع، يسقط بالسهو ويجبر بسجود السهو ويبطل بالعمد. (ينظر: شرح منتهى الإرادات للبهوتي).
أما من حيث محل إيقاعه: فقد اتفقوا على أن محل التحميد الأكمل هو حال الاعتدال قائماً واستقرار العظام، كما دل عليه لفظ الحديث صراحة «وَهُوَ قَائِمٌ».
الفرع السادس: حكم التكبير عند القيام من الركعة الثانية (بعد التشهد الأول)
اختلف الفقهاء في ثبوت ووقت هذا التكبير بناءً على قوله «وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنْ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ»:
القول الأول (ابتدائه وهو جالس أو مع ابتدائه في النهوض): وهو مذهب الجمهور (الحنفية، والمالكية، والحنابلة)، حيث يرون أن التكبير يكون مع ابتداء نهوضه من التشهد الأول إلى الركعة الثالثة كسائر تكبيرات الانتقال. (ينظر: حاشية ابن عابدين، شرح الزرقاني على مختصر خليل، المغني لابن قدامة).
القول الثاني (استحباب التكبير بعد الاستواء قائماً): وهو وجه عند الشافعية، والمشهور عندهم موافقة الجمهور بأن يبتدئ التكبير مع رفع رأسه من الأرض أو من الجلوس ويمده حتى يستوي قائماً. (ينظر: الحاوي الكبير للماوردي).